يتطلب مستقبل المنتخب المغربي بعد الخروج من ربع نهائي مونديال 2026 تبني عقلية نقدية موضوعية تتجاوز البحث عن الأعذار أو الاكتفاء بالاحتفاء بالإنجازات التاريخية. إن التعامل مع الهزيمة كفرصة للتعلم وتطوير الحلول التكتيكية هو السبيل الوحيد لترسيخ مكانة "أسود الأطلس" بين كبار العالم. فاحترام المنتخب يقتضي رفع سقف التوقعات ومراجعة الأخطاء بشجاعة، لضمان تحويل هذه المحطة إلى دافع جديد نحو المنافسة الحقيقية على الألقاب الكبرى في الاستحقاقات القادمة.
في كرة القدم، لا تصنع الهزائم مستقبل المنتخبات، بل الطريقة التي تتعامل بها معها. فبعد خروج المنتخب المغربي من ربع نهائي كأس العالم 2026 أمام فرنسا، انقسمت الآراء بين من بحث عن الأعذار، ومن اكتفى بالاحتفاء بالإنجاز، ومن رأى أن الوقت قد حان لمراجعة ما حدث داخل الملعب.
والحقيقة أن ما سيحدد مستقبل “أسود الأطلس” ليس نتيجة مباراة واحدة، بل العقلية التي سنختار بها قراءة هذه الهزيمة.
العقلية الأولى.. البحث عن الأعذار
في كل خسارة، تظهر تفسيرات جاهزة: التحكيم، الإصابات، الإرهاق، سوء الحظ أو أي ظرف آخر.
قد تكون بعض هذه العوامل حقيقية، فليس هناك مباراة تخلو من تفاصيل مؤثرة، لكن تحويلها إلى التفسير الوحيد للإقصاء يبعدنا عن الأسئلة الأهم.
هل كانت الخطة التكتيكية مناسبة لطبيعة المنافس؟ وهل امتلك المنتخب حلولا بديلة عندما لم تسر المباراة كما كان مخططا لها؟ وهل جاءت التغييرات في توقيتها المناسب؟
هذه الأسئلة هي التي تساعد أي منتخب على التطور، أما الاكتفاء بالأعذار فلا يغير شيئا في المستقبل.
العقلية الثانية.. الاكتفاء بالإنجاز
لا أحد يستطيع إنكار أن وصول المنتخب المغربي إلى ربع نهائي كأس العالم للمرة الثانية تواليا يعد إنجازا تاريخيا يؤكد أن ما تحقق في مونديال 2022 لم يكن مجرد صدفة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإنجاز إلى سبب لإيقاف أي نقاش.
فالمنتخبات الكبرى لا تعتبر أن الوصول إلى دور معين هو نهاية الطريق، بل تنظر دائما إلى الخطوة التالية. وما دام المغرب أصبح ينافس أفضل المنتخبات في العالم، فمن الطبيعي أن ترتفع سقف التوقعات أيضا.
العقلية الثالثة.. النقد من أجل التطور
هناك طريق ثالث يبدو الأكثر فائدة، وهو التعامل مع المنتخب باعتباره منتخبا كبيرا يستحق التحليل والنقد مثل بقية كبار العالم.
النقد هنا لا يعني التقليل من قيمة اللاعبين أو التشكيك في الجهاز الفني، بل محاولة فهم أسباب الخسارة، والتمييز بين ما كان خارج السيطرة وما كان بالإمكان التعامل معه بشكل أفضل.
فالمنتخبات الكبيرة لا تخشى مراجعة نفسها بعد كل بطولة، بل تعتبر ذلك جزءا أساسيا من مشروعها الرياضي.
مباراة فرنسا كشفت نقاطا تستحق المراجعة
أظهرت مواجهة فرنسا أن المنتخب المغربي دخل المباراة بفكرة تكتيكية جريئة، وهو أمر يحسب للجهاز الفني بقيادة محمد وهبي.
لكن المباراة أبرزت أيضا أن الجرأة وحدها لا تكفي عندما لا تتوفر حلول بديلة تسمح بتغيير مجرى اللقاء إذا لم تنجح الخطة الأساسية.
كما كشفت أهمية امتلاك أكثر من سيناريو خلال المباريات الكبرى، خاصة أمام منتخبات تملك خبرة عالية في استغلال التفاصيل الصغيرة.
وهذه ليست أحكاما نهائية على المدرب أو اللاعبين، بل ملاحظات طبيعية تفرضها مباريات بهذا الحجم.
احترام المنتخب المغربي لا يعني إعفاءه من المحاسبة
قد يعتقد البعض أن النقد يقلل من قيمة الإنجاز، لكن الواقع أن العكس هو الصحيح.
عندما نطالب المنتخب بالمزيد، فإننا نعترف بأنه أصبح ينتمي إلى دائرة المنتخبات التي تنافس على الألقاب، لا إلى المنتخبات التي تكتفي بالمشاركة المشرفة.
لذلك فإن احترام المنتخب المغربي لا يكون بتبرير كل هزيمة، وإنما برفع سقف التوقعات، ومناقشة الأخطاء بموضوعية، لأن الطموح الكبير يفرض أيضا محاسبة أكبر.
الهزيمة قد تكون بداية إنجاز جديد
ما حدث في مونديال 2022 خير دليل على ذلك. فالهزيمة أمام فرنسا في نصف النهائي لم تكن نهاية المشروع، بل تحولت إلى محطة تعلم ساعدت المنتخب على العودة أكثر قوة ونضجا.
واليوم، يمكن لهزيمة ربع نهائي مونديال 2026 أن تؤدي الدور نفسه، إذا جرى التعامل معها بعقلية المراجعة لا بعقلية الأعذار أو الاكتفاء بما تحقق.
فالكرة المغربية قطعت شوطا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، لكن المحافظة على هذا المستوى، والانتقال إلى المنافسة الحقيقية على الألقاب، يمر عبر ثقافة لا تخاف من النقد، ولا تعتبره عداء، بل وسيلة للتطور.
في النهاية، يبقى الوصول إلى ربع نهائي كأس العالم إنجازا يفتخر به كل المغاربة، لكنه في الوقت نفسه ليس نهاية الطموح. فالمنتخبات التي تريد صناعة التاريخ لا تكتفي بالاحتفال بما حققته، بل تبدأ من كل هزيمة رحلة جديدة نحو مستوى أعلى.

التعاليق (0)