لماذا لا يُقيل الملك كل مسؤول؟ قراءة في منطق الاختصاص الدستوري وربط المسؤولية بالمحاسبة

الملك محمد السادس آراء الملك محمد السادس

يرتكز النظام الدستوري المغربي على مبدأ فصل السلط وتوازنها، حيث يمارس الملك اختصاصاته كضامن لاستمرار الدولة وحسن سير مؤسساتها، مع احترام الصلاحيات الممنوحة لكل سلطة. إن مطالبة الملك بإقالة كل مسؤول تتجاهل طبيعة المسؤوليات الدستورية التي تفرض على الحكومة والبرلمان والمؤسسات القيام بأدوارها في المحاسبة. فالمحاسبة الملكية ليست مجرد إعفاءات مباشرة، بل هي فلسفة حكم تهدف لترسيخ دولة المؤسسات، حيث يتحمل كل مسؤول تبعات أدائه، مع تدخل الملك بحزم وفق الدستور حين تقتضي المصلحة العليا ذلك.

يتساءل كثير من المغاربة، وبحسن نية في أحيان كثيرة: لماذا لا يتدخل جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مباشرة لإقالة كل مسؤول يثبت فشله أو تقصيره؟ ولماذا لا تكون المحاسبة الملكية شاملة ومباشرة لكل من يتحمل مسؤولية عمومية؟

الجواب يبدأ من قاعدة أساسية: المغرب دولة مؤسسات، والملك نفسه يحرص على احترام الدستور والقانون والاختصاصات التي حددها الدستور لكل سلطة ومؤسسة. فالفصل الأول من الدستور يجعل النظام الدستوري قائما على فصل السلط وتوازنها وتعاونها، وعلى الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وهنا تكمن إحدى أهم خصائص التجربة المغربية: جلالة الملك لا يمارس السلطة خارج الإطار الدستوري، بل يمارس اختصاصاته باعتباره رئيسا للدولة وضامنا لاستمرارها وحسن سير المؤسسات الدستورية، وفي الوقت نفسه يترك للمؤسسات الأخرى ممارسة اختصاصاتها كاملة.

ولذلك، فليس كل مسؤول في الدولة يوجد في الوضعية الدستورية نفسها.

هناك مسؤول يأتي إلى موقعه من خلال الانتخاب، كعدد من المسؤولين السياسيين والمنتخبين محليا، وهناك مسؤول يتولى منصبه داخل السلطة التنفيذية، وهناك مسؤولون يتم تعيينهم في مناصب عليا وفق المساطر الدستورية، وهناك موظفون ومسؤولون إداريون يخضعون للسلطة الحكومية والإدارية المختصة.

وهذا التمييز ليس شكليا، وإنما هو جوهر دولة المؤسسات.


فالحكومة، مثلا، تنبثق عن الانتخابات، ورئيس الحكومة يتولى مسؤولية السلطة التنفيذية ويشرف على الإدارة العمومية، كما أن الحكومة مسؤولة أمام البرلمان. وقد أكد الخطاب الملكي حول مشروع دستور 2011 أن الحكومة تنبثق عن الإرادة الشعبية المعبر عنها عبر صناديق الاقتراع، وأن رئيس الحكومة يتحمل المسؤولية على أعضائها وعلى الإدارة العمومية.

ومن ثم، فإن تحميل الملك مسؤولية إقالة كل مسؤول منتخب أو كل مسؤول إداري لمجرد وجود اختلال أو فشل في قطاع ما، يعني عمليا تجاوز المؤسسات التي منحها الدستور اختصاصات واضحة، وإفراغ مبدأ فصل السلط من جزء كبير من مضمونه.

لكن هذا لا يعني إطلاقا أن جلالته لا يحاسب المسؤولين، أو أنه لا يتدخل عندما تستوجب المصلحة العامة ذلك.

بل على العكس، سجل عهد جلالته عدة محطات واضحة في ممارسة المساءلة السياسية والإدارية، سواء من خلال القرارات الملكية المرتبطة بالتعيين والإعفاء، أو من خلال التعليمات الملكية، أو من خلال التوجيهات الصريحة للحكومة والإدارة، أو عبر ترتيب الآثار السياسية والمؤسساتية على الاختلالات التي يتم الوقوف عليها.

والأهم من ذلك أن جلالة الملك جعل ربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ سياسيا ودستوريا مركزيا.

ففي خطاب العرش لسنة 2017، شدد جلالته بصورة صريحة على ضرورة التطبيق الصارم لهذا المبدأ، مؤكدا أنه لا ينبغي أن يكون هناك إفلات من المسؤولية، وأن المسؤولية تشمل الحكومة والبرلمان والأحزاب وكافة المؤسسات، كل في مجال اختصاصه.

وفي الخطاب نفسه، أوضح جلالته أن احترام الاختصاصات وفصل السلط ليسا مجرد عبارات دستورية، بل قاعدة في ممارسة الحكم، مؤكدا أن النموذج المؤسسي المغربي يقوم على احترام اختصاصات المؤسسات وعدم عرقلة عملها.

وهنا يجب فهم الفلسفة الملكية في المحاسبة بصورة أدق.

الملك لا يحتاج إلى التدخل في كل ملف حتى يمارس سلطته الدستورية؛ فقد يكون التدخل الملكي في بعض الحالات مباشرا، وقد يكون في حالات أخرى عبر المؤسسات التي أناط بها الدستور المسؤولية، وقد يكون عبر التوجيه السياسي الاستراتيجي، أو عبر سلطة التعيين والإعفاء عندما تكون هذه السلطة داخلة في الاختصاص الملكي.
وهذا بالضبط ما يجعل المسألة أكثر تعقيدا من المعادلة الشعبية البسيطة: «هناك مسؤول فاشل، إذن لماذا لا يقيله الملك؟».

لأن السؤال الدستوري الصحيح هو: من عيّن هذا المسؤول؟ ومن يملك قانونا سلطة إنهاء مهامه؟ وما طبيعة مسؤوليته؟ وأمام من يحاسب؟ وما هي الآلية القانونية لترتيب الجزاء؟

فالمسؤول الذي جاء عن طريق صناديق الاقتراع ليس كالمسؤول الذي عين في منصب سام وفق المسطرة الدستورية، وليس كالموظف العمومي الذي يخضع لسلطته الإدارية المباشرة.

ومن هنا أيضا يمكن فهم معنى المحاسبة الملكية بصورة مختلفة عن مفهوم الإقالة المباشرة.

فالمحاسبة ليست دائما قرار إعفاء فوري. قد تكون توجيها، أو تنبيها، أو إعادة ترتيب للأولويات، أو رفضا لتجديد الثقة، أو إنهاء مهمة في نطاق الاختصاص، أو إحالة الملف إلى المؤسسة المختصة، أو ترك المسؤولية السياسية والمؤسساتية تقوم بدورها.

والدليل الأوضح أن جلالة الملك نفسه تحدث في خطاب 2017 عن محاسبة من ثبت في حقه التقصير في القيام بمسؤوليته المهنية أو الوطنية، وربط ذلك صراحة بصلاحياته الدستورية وبضمان دولة القانون.

لذلك، فإن القول إن «الملك لا يحاسب المسؤولين» غير دقيق، كما أن القول إن «الملك يستطيع إقالة أي مسؤول في أي وقت» غير دقيق أيضا.

الحقيقة تقع في المنطقة الأكثر تعقيدا: جلالة الملك يمارس سلطة قوية، لكنها سلطة دستورية، وتدخلاته تخضع لمنطق الاختصاص والمؤسسة والمسؤولية.

وهذا في حد ذاته ليس تقييدا لدور الملك، وإنما هو جزء من فلسفة الحكم التي اختارها المغرب منذ دستور 2011: ملكية دستورية، ومؤسسات لها اختصاصات محددة،

وحكومة تتحمل مسؤوليتها التنفيذية، وبرلمان يمارس الرقابة، وقضاء مستقل، وهيئات للحكامة والمراقبة، مع بقاء الملك ضامنا للدولة واستمراريتها وحسن سير مؤسساتها.

ولهذا فإن أقوى محاسبة ليست بالضرورة تلك التي تظهر للناس في صورة قرار إقالة ملكي؛ بل قد تكون أعمق من ذلك: أن يظل كل مسؤول مدركا أن منصبه مرتبط بالأداء، وأن الاختصاص مقرون بالمسؤولية، وأن المسؤولية مقرونة بالمحاسبة، وأن لا أحد فوق القانون.

وهذا هو جوهر الرسالة التي كررها جلالة الملك محمد السادس: المغرب لا يحتاج إلى ملك يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات تقوم بواجبها، ومسؤولين يتحملون مسؤوليتهم، وقانون يطبق على الجميع، وملك يتدخل بحزم عندما تستدعي المصلحة العليا للدولة ذلك وفي حدود اختصاصاته الدستورية.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً