الانتخابات والجيوسياسية: أي حكومة يحتاجها المغرب في مرحلة التحولات الكبرى؟

الانتخابات التشريعية تقترب بالمغرب ـ تعبيرية ـ آراء الانتخابات التشريعية تقترب بالمغرب ـ تعبيرية ـ

تتجاوز الانتخابات التشريعية المغربية لعام 2026 مجرد التنافس على المقاعد البرلمانية، لتصبح اختباراً لقدرة الحكومة المقبلة على إدارة تحولات جيوسياسية كبرى في محيط إقليمي ودولي مضطرب. فالمرحلة تتطلب حكومة تجمع بين الشرعية الانتخابية والنجاعة التنفيذية، قادرة على دمج الاقتصاد بالأمن والسياسة الخارجية بالتنمية، لتعزيز السيادة الوطنية وتوسيع هامش المناورة الاستراتيجي للمغرب، بما يضمن تحويل التحديات الدولية إلى فرص تنموية مستدامة تخدم العقد الاجتماعي الداخلي.


تُجرى الانتخابات التشريعية المغربية في 23 شتنبر 2026 في لحظة تختلف استراتيجيا عن الاستحقاق السابق؛ إذ لم يعد السؤال الانتخابي محصورا في من سيدير القطاعات الاجتماعية والاقتصادية، بل أصبح مرتبطا أيضا بقدرة المؤسسة الحكومية المقبلة على إدارة موقع المغرب داخل بيئة إقليمية ودولية شديدة التحول.

ويتنافس 27 حزبا على 395 مقعدا بمجلس النواب، فيما تجاوز عدد لوائح الترشيح 1850 لائحة، وهو ما يعكس اتساع المنافسة وتعدد مراكز الاستقطاب الانتخابي.

ولا يمكن قراءة هذه الانتخابات فقط بمنطق «الأغلبية والمعارضة». فالمعادلة المقبلة ستتشكل عند تقاطع ثلاثة مستويات: الشرعية الانتخابية، والقدرة على إنتاج حكومة فعالة، ومدى قدرة هذه الحكومة على تحويل التحولات الجيوسياسية إلى مصالح وطنية.

■ من السياسة الداخلية إلى السياسة الجيوسياسية

تفرض الواقعية السياسية، باعتبارها إحدى أهم المقاربات في تحليل العلاقات الدولية، قاعدة أساسية: الدول لا تتحرك في الفراغ، وإنما وفق حسابات القوة والمصلحة والبيئة الاستراتيجية.

ومن هذه الزاوية، فإن الحكومة المغربية المقبلة ستعمل تحت إشراف وتوجيه من عاهل البلاد في محيط يتغير بسرعة: إعادة ترتيب موازين القوى في الساحل، التنافس الدولي على إفريقيا، التحولات في المتوسط، الحرب التجارية والتكنولوجية بين القوى الكبرى، تنامي أهمية الأمن الطاقي، وتطور موقع المغرب في ملفات الصحراء والهجرة والأمن والاستثمار.

لذلك فإن الحكومة المقبلة لن تكون مطالبة فقط بـ«تدبير الاقتصاد»، وإنما بإدارة دولة تتوسع وظائفها الجيوسياسية. وهنا تظهر أهمية انتخابات 23 شتنبر.

■ المنافسة الحزبية: سباق على المقاعد أم على نموذج الحكم؟

تظهر المعطيات الانتخابية أن الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية، والعدالة والتنمية قدمت كل منها 92 لائحة محلية و12 لائحة جهوية، بينما قدم التجمع الوطني للأحرار 92 لائحة محلية و11 جهوية، والاتحاد الاشتراكي 90 محلية و11 جهوية، والحركة الشعبية 86 محلية و12 جهوية.

لكن حجم التغطية الانتخابية لا يعني بالضرورة ترتيبا متوقعاً للنتائج. لذلك ينبغي الحذر من تحويل كثافة الترشيحات إلى توقع انتخابي.

الأهم هو أن الأحزاب الرئيسية تدخل السباق وهي تحمل تصورات مختلفة حول المرحلة المقبلة، حتى وإن تشابهت عناوين برامجها في التشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والسكن والحماية الاجتماعية.

وهنا يمكن استدعاء مفهوم التنافس على النموذج السياسي بدل الاقتصار على التنافس على المقاعد.

فالتجمع الوطني للأحرار يدخل المعركة من موقع الحزب الذي يقود الحكومة الحالية، وبالتالي يرتبط تقييمه الانتخابي بصورة الحصيلة الحكومية.

أما الأصالة والمعاصرة والاستقلال، وهما شريكان في الأغلبية الحالية، فيخوضان الانتخابات في وضع أكثر تعقيدا: الدفاع عن الاستمرارية الحكومية من جهة، وإظهار استقلالية سياسية وقدرة على قيادة المرحلة المقبلة من جهة أخرى.

أما العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، فتسعى بدرجات مختلفة إلى توسيع المجال المعارض وإعادة بناء مواقعها داخل الخريطة البرلمانية.

هذه الوضعية تجعل الانتخابات أقرب إلى إعادة توزيع لمراكز القوة داخل النظام الحزبي منها إلى مجرد استفتاء على حكومة واحدة.

■ النظرية الثانية: الدولة التنموية

من منظور نظرية الدولة التنموية، لا تُقاس فعالية الحكومة فقط بعدد القوانين التي تنتجها، وإنما بقدرتها على الربط بين الاستثمار، والبنية التحتية، والتعليم، والتكنولوجيا، والصناعة، والطاقة، والأمن الاجتماعي. وهذا مهم جدا في الحالة المغربية.

فالمغرب يدخل مرحلة تتزامن فيها مشاريع استراتيجية كبرى مع استحقاقات دولية متزايدة، خصوصا في البنية التحتية والطاقة والصناعة واللوجستيك والتحول الرقمي والاستعداد للاستحقاقات الرياضية الدولية.

ومن ثم فإن الحكومة المقبلة ستحتاج إلى قدرة تنفيذية عالية أكثر من حاجتها إلى خطاب انتخابي مرتفع السقف. وهنا سيكون الاختبار الحقيقي للأحزاب: هل تستطيع الانتقال من منطق الوعود إلى منطق مؤشرات الأداء؟

■ النظرية الثالثة: الأمننة

تقدم نظرية «الأمننة» Security Securitization إطاراً مهما لفهم المرحلة المقبلة.

فملفات كانت تُعامل سابقا باعتبارها اقتصادية أو اجتماعية أصبحت اليوم مرتبطة بالأمن القومي: الطاقة، سلاسل الإمداد، الهجرة، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، الموانئ، المعادن الاستراتيجية، الغذاء والماء.

وبالتالي فإن الحكومة المقبلة ستحتاج إلى تجاوز الفصل التقليدي بين «السياسة الخارجية» و«السياسة الداخلية».

فالاستثمار الأجنبي، مثلا، لم يعد مجرد مسألة مالية؛ وقد يحمل معه اعتبارات تتعلق بسلاسل الإمداد والسيادة التكنولوجية.

والطاقة لم تعد مجرد ملف اقتصادي؛ بل أصبحت عنصرا من عناصر الأمن الوطني. والبنية التحتية لم تعد مجرد تنمية؛ بل أصبحت جزءا من القدرة الجيوسياسية للدولة.

■ الصحراء: من التدبير الدبلوماسي إلى التنمية الجيوسياسية

تدخل قضية الصحراء مرحلة تتزايد فيها أهمية الانتقال من إدارة الملف دبلوماسيا إلى تثبيت الوقائع التنموية والمؤسساتية على الأرض.

وهذا يعني أن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام مسؤولية مزدوجة: مواصلة العمل الدبلوماسي، وفي الوقت نفسه تسريع التنمية والاستثمار وربط الأقاليم الجنوبية بشبكات التجارة والطاقة واللوجستيك الوطنية والدولية.وهنا تلتقي الجيوسياسة بالتنمية.

فالميناء، والطريق، والسكك الحديدية، والطاقة، والاستثمار، والسكان، والمؤسسات، كلها تتحول إلى عناصر في إنتاج النفوذ. ولهذا فإن الحكومة المقبلة ستحتاج إلى سياسة صحراوية لا تكتفي بالخطاب الدبلوماسي، وإنما تبني قوة اقتصادية ومؤسساتية مستدامة.

■ الساحل والعمق الإفريقي

المعادلة الأخرى التي ستفرض نفسها على الحكومة المقبلة هي التحول الجيوسياسي في الساحل.

لقد أصبح المغرب معنيا بصورة مباشرة باستقرار فضائه الإفريقي، ليس فقط من زاوية مكافحة الإرهاب والهجرة، وإنما أيضا من زاوية التجارة والطاقة والاستثمار والربط الأطلسي.

وهذا يفرض على الحكومة المقبلة بناء سياسة إفريقية أكثر تكاملا بين الدبلوماسية والاقتصاد والأمن.

بمعنى آخر: الدبلوماسية الاقتصادية يجب أن تعمل جنبا إلى جنب مع الدبلوماسية السياسية، والسياسة الأمنية يجب أن تتقاطع مع السياسة التنموية.

■ العامل الأمريكي والإسرائيلي والأوروبي

التحولات الأخيرة في العلاقات المغربية–الإسرائيلية، إلى جانب الدور الأمريكي، تضيف طبقة جديدة إلى الحسابات الاستراتيجية. فقد أعلن الاجتماع الثلاثي في نيويورك يوم 16 شتنبر 2026 الارتقاء بالعلاقات المغربية–الإسرائيلية إلى مستوى السفارات، إلى جانب ملفات الاستثمار والرحلات الجوية والاتفاقيات الاقتصادية.

لكن هذه التحولات لا تعني أن المغرب يستطيع الاستغناء عن علاقاته الأوروبية.

العكس هو الأقرب إلى المنطق الاستراتيجي: تنويع الشراكات بدلا من استبدال شريك بشريك.

وهذه إحدى أهم قواعد السياسة الخارجية المغربية خلال المرحلة المقبلة: الحفاظ على تعدد دوائر الحركة، وعدم الارتهان لمحور واحد. وهنا يصبح مفهوم هامش المناورة الاستراتيجي مهما للغاية.

كلما تعددت الشراكات المغربية مع الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا والعالم العربي وإفريقيا، اتسع هامش القرار الوطني.

■ الشباب: المتغير الانتخابي الذي لا يمكن تجاهله

تظهر التقارير الحديثة أن الأحزاب تواجه تحدي العزوف السياسي، خصوصا لدى الشباب، وأن التشغيل والسكن والقدرة الشرائية أصبحت من أبرز موضوعات الحملة.
وهذا ليس مجرد تحد انتخابي.إنه تحد يتعلق بالشرعية السياسية نفسها.

فإذا كانت الدولة المغربية تتحرك خارجيا في بيئة دولية متغيرة، فإن نجاح هذه السياسة يحتاج إلى قاعدة داخلية قوية تقوم على الثقة والاندماج الاجتماعي والفرص الاقتصادية.

لذلك فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة ببناء عقد اجتماعي جديد يربط الإصلاح الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية والنجاعة المؤسساتية.

■ ماذا ستفرز الانتخابات؟

لا يمكن، قبل الاقتراع، تحديد الحزب الذي سيحتل المرتبة الأولى أو شكل الأغلبية المقبلة من دون الوقوع في التنبؤ السياسي. لكن يمكن تحديد طبيعة الخيارات التي ستظهر بعد النتائج.

السيناريو الأول يتمثل في استمرار منطق الائتلافات الحزبية الواسعة، مع إعادة ترتيب موازين القوة داخله.

السيناريو الثاني يتمثل في إعادة تشكيل الأغلبية حول تركيبة سياسية مختلفة، إذا أفرزت النتائج انتقالا واضحا. في الوزن البرلماني للأحزاب.

السيناريو الثالث هو استمرار تعدد مراكز القوة داخل البرلمان، بما يجعل القدرة على التفاوض وبناء الائتلافات عاملا مركزيا في تشكيل الحكومة.

والعامل الحاسم في جميع هذه الحالات لن يكون فقط من يملك العدد الأكبر من المقاعد، وإنما من يستطيع بناء أغلبية منسجمة وقابلة للعمل.

■ الحكومة المقبلة أمام اختبار مختلف

المرحلة المقبلة تحتاج إلى حكومة تستطيع العمل في أربعة اتجاهات متزامنة:
اقتصاديا: رفع الإنتاجية، التشغيل، الاستثمار، وتقوية الصناعة الوطنية.
اجتماعيا: حماية القدرة الشرائية، وتحسين الصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية.
جيوسياسيا: الحفاظ على تعدد الشراكات الدولية وتوسيع هامش المناورة.
أمنيا: التعامل مع الإره اب، والهجرة، والأمن السيبراني، والساحل، وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد وهذه أمور سيادة تقع على عاتق المؤسسات السيادية المختصة تحت إشراف رئيس الدولة.

وهذا يعني أن السؤال الحقيقي بعد 23 شتنبر لن يكون فقط: من فاز؟ بل سيكون: هل أنتجت الانتخابات أغلبية قادرة على الانتقال بالمغرب من مرحلة تدبير التحولات إلى مرحلة صناعة التحولات؟

فالمغرب يدخل مرحلة يصبح فيها الاقتصاد جزءا من الجيوسياسة، والدبلوماسية جزءا من التنمية، والأمن جزءا من الاقتصاد، والبنية التحتية جزءا من القوة الوطنية.
ومن هنا، فإن قيمة الحكومة المقبلة ستقاس بقدرتها على الجمع بين الشرعية الانتخابية والنجاعة الحكومية والقدرة الاستراتيجية.

وهذه هي المعادلة الأعمق لانتخابات 23 شتنبر 2026: المغاربة لا ينتخبون فقط تركيبة برلمانية لخمس سنوات؛ بل يساهمون في تحديد قدرة الدولة على إدارة مرحلة دولية تتسارع فيها إعادة توزيع القوة والنفوذ.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً