ماذا يعني تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة بالمغرب؟

فاطمة الزهراء المنصوري مختارات فاطمة الزهراء المنصوري

يمثل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية تحولاً تاريخياً يتجاوز رمزية النوع الاجتماعي، ليجسد تطبيقاً للدستور وتتويجاً لمسار التحديث الذي يقوده الملك محمد السادس. هذا التعيين يضع الكفاءة والشرعية الدستورية معياراً لتولي المسؤولية، ناقلاً النقاش من جدلية أهلية المرأة إلى اختبار قدرتها على القيادة التنفيذية. إن نجاح هذه المرحلة لا يقاس بالرمزية، بل بمدى قدرة الحكومة على تحقيق نتائج ملموسة في الأوراش التنموية والاجتماعية، مما يعزز النموذج الديمقراطي المغربي.

يدخل المغرب، بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، مرحلة جديدة في تطور تجربته السياسية والمؤسساتية، ليس فقط لان امرأة وصلت للمرة الاولى في تاريخ المملكة إلى رئاسة السلطة التنفيذية، وإنما لان هذا التعيين يحمل في طياته جملة من الدلالات الدستورية والسياسية والمجتمعية التي تتجاوز مسألة النوع إلى طبيعة النموذج الذي يعمل المغرب على بنائه منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش.

ففي 29 شتنبر 2026، عين جلالة الملك فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات مجلس النواب.

ومن هذه الزاوية، يمثل التعيين تطبيقا مباشرا للقاعدة الدستورية التي تربط رئاسة الحكومة بالحزب المتصدر للانتخابات، بما يمنح الحدث بعده الديمقراطي والمؤسساتي قبل أي قراءة رمزية أخرى.

لكن الدلالة الأعمق تكمن في أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يأتي امتدادا لمسار طويل من التحولات التي مست مكانة المرأة داخل الدولة والمجتمع. فمنذ سنوات، ارتبط المشروع الملكي بمفهوم بناء مجتمع ديمقراطي تنموي حداثي، قائم على دولة الحق والمؤسسات والتعددية والمشاركة. كما أكد جلالة الملك في مناسبات متعددة أن تقدم المغرب يرتبط بمكانة المرأة وبمشاركتها الفاعلة في مختلف مجالات التنمية.

ومن هنا يمكن قراءة التعيين أيضا في سياق أوسع يتعلق بالنموذج المغربي في تدبير العلاقة بين المرجعية الدينية والتحول المجتمعي. فالمقاربة الملكية في قضايا الأسرة والمرأة قامت، كما تعكس الخطب الرسمية، على الجمع بين الثوابت الدينية والاجتهاد المنفتح ومقاصد الشريعة والتحولات التي يعرفها المجتمع. ويكتسب ذلك دلالة إضافية في ظل استمرار ورش إصلاح مدونة الأسرة، الذي ما يزال أحد الأوراش التشريعية الكبرى المطروحة بالمملكة.

وبهذا المعنى، فإن وصول امرأة إلى أعلى منصب حكومي يقدم، من الناحية المؤسساتية، جوابا عمليا على النقاش المتعلق بأهلية المرأة لتحمل المسؤوليات السياسية العليا: معيار الولوج إلى المسؤولية داخل الدولة الحديثة هو الشرعية الدستورية والكفاءة السياسية والقدرة على تحمل أعباء التدبير، لا جنس المسؤول.

أما الدلالة الثانية فتتعلق بمفهوم “الجدية” الذي جعله جلالة الملك في خطاب العرش لسنة 2023 منهجا للحياة السياسية والإدارية، وربطه بخدمة المواطن، واختيار الكفاءات، وتغليب المصالح العليا للوطن، وربط المسؤولية بالمحاسبة والحكامة والاستحقاق وتكافؤ الفرص. وهنا تحديدا سيقاس معنى التعيين في المرحلة المقبلة: ليس بكون رئيس الحكومة امرأة، وإنما بما ستنجزه الحكومة التي ستقودها على أرض الواقع.

ففاطمة الزهراء المنصوري تنتقل اليوم من رمزية التعيين التاريخي إلى ثقل المسؤولية التنفيذية. والتحدي الحقيقي سيكون في قدرتها على بناء فريق حكومي منسجم، واختيار كفاءات قادرة على مسايرة سرعة الأوراش الوطنية الكبرى، وتقليص الفجوة التي قد تظهر أحيانا بين سرعة المشاريع الاستراتيجية للدولة ووتيرة التنفيذ الحكومي والإداري.

وهنا يصبح التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية والمجالية وجودة الخدمات العمومية مقياس النجاح الفعلي. فالحكومة الجديدة لن تحاكم على رمزية تشكيلتها، وإنما على الأثر الذي ستتركه قراراتها في الحياة اليومية للمواطن: مدرسة أفضل، علاج أكثر نجاعة، فرص شغل أوسع، إدارة أكثر فعالية، وعدالة مجالية تجعل ثمار التنمية محسوسة في مختلف جهات المملكة.

كما يحمل التعيين رسالة أخرى تتعلق بصورة المغرب في محيطه. ففاطمة الزهراء المنصوري أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة المغربية، والثانية في العالم العربي بعد نجلاء بودن في تونس، وهو ما يجعل الحدث محطة لافتة في مسار المشاركة السياسية للنساء بالمنطقة، دون أن يلغي خصوصية التجربة المغربية ومسارها الدستوري الخاص.

لقد انتقل المغرب، بهذا التعيين، من مرحلة الحديث عن وصول المرأة إلى مواقع القرار إلى اختبار قيادتها المباشرة للعمل الحكومي. غير أن القيمة التاريخية لهذا التحول لن تكتمل إلا بالنتائج.

فالرهان الحقيقي ليس أن تنجح امرأة لأنها امرأة، بل أن تنجح رئيسة للحكومة لأنها قادرة على القيادة، وعلى بناء فريق قوي، وعلى تحويل الاختيارات الكبرى للدولة إلى سياسات عمومية ذات أثر مباشر في حياة المغاربة.

وعندها فقط ستتحول رمزية 29 شتنبر 2026 من سابقة في تاريخ الحكومات المغربية إلى محطة فعلية في تطور النموذج الديمقراطي التنموي المغربي.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً