«الكريمات» في المغرب أمام منعطف جديد.. لقجع يكشف توجه الحكومة لإنهاء نظام الرخص

«الكريمات» في المغرب أمام منعطف جديد سلطة ومجتمع «الكريمات» في المغرب أمام منعطف جديد

كشف وزير الاقتصاد والمالية المغربي فوزي لقجع عن توجه حكومي لإصلاح نظام الرخص والامتيازات الاقتصادية، عبر استبدال نظام المأذونيات التقليدي بدفاتر تحملات واضحة تضمن تكافؤ الفرص والشفافية في قطاعات كالصيد البحري والمقالع. يأتي هذا التوجه استكمالاً لإجراءات بدأت عام 2022 لتقنين استغلال رخص سيارات الأجرة، بهدف إنهاء منطق الريع وتوريث الامتيازات، وربط الولوج للأنشطة الاقتصادية بالاستثمار الفعلي والالتزام القانوني، مما يفتح مرحلة جديدة تهدف إلى تعزيز العدالة الاقتصادية والمنافسة العادلة.

عاد ملف “الكريمات” ونظام الرخص والامتيازات الاقتصادية إلى واجهة النقاش بالمغرب، بعدما كشف فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، عن توجه حكومي يرمي إلى تغيير الطريقة المعتمدة في منح عدد من الرخص، وتعويضها بنظام يقوم على دفاتر تحملات واضحة تحدد شروط الاستثمار والالتزامات المفروضة على الراغبين في ولوج هذه الأنشطة.

وجاء هذا الإعلان خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 بمجلس النواب، في سياق نقاش أثاره رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، هشام الصابري، بشأن طريقة منح رخص الصيد البحري واستغلال مقالع الرمال، وما يرافقها من تساؤلات حول تكافؤ الفرص وشفافية توزيع الامتيازات الاقتصادية.

وأوضح لقجع أن التوجه الذي تعمل عليه الحكومة يقوم على إحداث إصلاح اقتصادي عميق، من خلال تعويض نظام الرخص بدفاتر تحملات، بما يتيح للمستثمرين الراغبين في دخول هذه القطاعات ممارسة الأنشطة التي تتناسب مع إمكانياتهم وأحجام مشاريعهم، شريطة احترام الشروط والالتزامات التي ستحددها هذه الدفاتر.

ويعني هذا التوجه، من حيث المبدأ، الانتقال من نظام يرتبط فيه الولوج إلى بعض الأنشطة بالحصول على رخصة أو امتياز إداري، إلى نموذج يحدد مسبقا الشروط التي يتعين على كل مستثمر استيفاؤها، مع إخضاعه للالتزامات القانونية والتنظيمية المرتبطة بالنشاط الذي اختاره.

الصيد البحري ومقالع الرمال في قلب النقاش

لم يأت تصريح لقجع من فراغ، إذ سبق أن أثار هشام الصابري، خلال المناقشة البرلمانية لمشروع قانون المالية، إشكالية توزيع رخص الصيد البحري ومقالع الرمال بالمغرب، متسائلا عن المعايير التي تسمح لأشخاص بالاستفادة من هذه الامتيازات، بينما لا تتاح الفرصة نفسها لمواطنين آخرين يتوفرون على الإمكانيات والرغبة في الاستثمار.

واعتبر الصابري أن استمرار بعض أنماط منح الرخص يطرح إشكالات تتعلق بالعدالة الاقتصادية وتكافؤ الفرص، منتقدا غياب الوضوح في بعض مساطر منح الامتيازات وسحبها، كما أثار مسألة التعاملات المالية غير المصرح بها والتهرب الضريبي في قطاع استغلال المقالع.

ومن هنا تبرز أهمية التصور الذي تحدث عنه وزير الاقتصاد والمالية، إذ إن اعتماد دفاتر تحملات محددة يمكن أن يفتح المجال أمام مستثمرين جدد، ويجعل الاستفادة من فرص الاستثمار مرتبطة بمدى توفر الشروط والقدرة على احترام الالتزامات، بدلا من استمرار الاعتماد على صيغ تقليدية لمنح الامتيازات.

ملف “الكريمات”.. إجراءات بدأت منذ سنة 2022 بالمغرب

وبالنسبة إلى المأذونيات المعروفة شعبيا باسم “الكريمات”، وخاصة المتعلقة بسيارات الأجرة، فإن النقاش الحالي يعيد إلى الواجهة إجراءات سبق أن شرعت السلطات في تطبيقها منذ سنة 2022، بهدف وضع حد لاستمرار استغلال المأذونيات بعد وفاة أصحابها، والحد من التعامل معها باعتبارها امتيازا قابلا للتوريث أو التفويت الحر.

ففي غشت 2022، أصدرت وزارة الداخلية دورية لتنظيم وضبط شروط وإجراءات تحويل رخص سيارات الأجرة من مستفيد إلى آخر، أكدت من خلالها أن وفاة صاحب المأذونية يترتب عنها، من حيث الأصل، إلغاء الرخصة ورخص الاستغلال المرتبطة بها، مع إمكانية الترخيص باستمرار الاستغلال أو تحويله وفق شروط ومساطر إدارية محددة.

وبموجب هذه الإجراءات، لم يعد بإمكان الورثة التعامل مع المأذونية باعتبارها ملكا ينتقل إليهم تلقائيا بعد وفاة صاحبها، كما لم يعد استمرار استغلالها أمرا مضمونا، بل أصبح مرتبطا بدراسة طلبات المعنيين ومدى توفرهم على الشروط المطلوبة.

من يحق له الاستفادة من تحويل المأذونية بعد وفاة صاحبها؟

لم تغلق إجراءات سنة 2022 الباب بشكل مطلق أمام أفراد أسرة صاحب المأذونية المتوفى، لكنها وضعت فئات وشروطا محددة للاستفادة من إمكانية تحويل الرخصة، مع مراعاة الوضعية الاجتماعية والمهنية للمعنيين.

وتشمل الفئات التي حددتها الإجراءات:

  • الأرامل، سواء كن ذكورا أو إناثا وفق الصياغة الواردة في الدورية، ممن لا يتوفرون على دخل أو يعيشون وضعية مادية واجتماعية هشة.
  • الأبناء الذين كانوا يزاولون فعليا مهنة سائق سيارة أجرة قبل وفاة صاحب المأذونية، شريطة توفرهم على رخصة الثقة وبطاقة السائق المهني ساريتي الصلاحية.
  • الأبناء في وضعية إعاقة، ممن يعانون أيضا من وضعية مادية واجتماعية هشة.
  • باقي الأبناء البالغين سن الرشد، ممن لا يتوفرون على دخل أو يعيشون وضعية مادية واجتماعية هشة.
  • الأمهات والأبناء الذين لا يتوفرون على دخل أو يوجدون في وضعية مادية واجتماعية هشة، وفق الشروط المحددة في الإجراءات.

كما تضمنت المسطرة آجالا وشروطا إدارية لتقديم طلبات التحويل، بما في ذلك إيداع الطلب داخل أجل محدد من تاريخ الوفاة، والخضوع لدراسة الملف والبت فيه من طرف السلطات المختصة.

وبذلك، فإن مجرد كون الشخص وريثا لصاحب المأذونية لا يمنحه الحق التلقائي في مواصلة استغلالها، كما أن ممارسة أحد الأبناء لمهنة سائق سيارة أجرة مع والده لا تكفي وحدها، ما لم يستوف الشروط المهنية والإدارية المطلوبة.

هل نحن أمام نهاية نظام “الكريمات” بالمغرب؟

تصريح فوزي لقجع يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من مراجعة نظام الرخص والامتيازات الاقتصادية بالمغرب، لكنه لا يعني أن جميع المأذونيات والرخص ستلغى بشكل فوري، أو أن دفاتر التحملات أصبحت مطبقة بالفعل في مختلف القطاعات.

فالوزير تحدث عن توجه لإعداد إطار قانوني جديد وإصلاح عميق، ما يجعل الأنظار متجهة إلى الخطوات التشريعية والتنظيمية المقبلة، وإلى القطاعات التي سيشملها هذا التحول، فضلا عن طبيعة الشروط التي ستحددها دفاتر التحملات وآليات مراقبة احترامها.

ويبقى التحدي الأساسي هو ضمان ألا تتحول دفاتر التحملات إلى صيغة جديدة لإعادة إنتاج الامتيازات نفسها، بل إلى آلية حقيقية تتيح تكافؤ الفرص، وتضمن المنافسة والشفافية، وتربط الاستفادة من الموارد الاقتصادية الوطنية بالاستثمار الفعلي واحترام القانون وأداء الالتزامات.

فالمغاربة لا ينتظرون مجرد تغيير أسماء الرخص والامتيازات، بقدر ما ينتظرون قواعد واضحة تتيح لكل من يتوفر على الكفاءة والإمكانيات الاستثمارية فرصة عادلة، بعيدا عن الامتيازات غير المبررة.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً