عززت شركة فورد الأمريكية مكانة المغرب في صناعة السيارات الكهربائية عبر دفع 108 ملايين دولار كمقدم تجاري لمجموعة BTR الصينية، وذلك لتوريد الغرافيت الاصطناعي من مصنعها بمدينة محمد السادس طنجة تيك. يمثل هذا الاتفاق تحولاً استراتيجياً للمغرب من مجرد منصة تصنيع إلى حلقة أساسية في سلاسل التوريد العالمية للبطاريات، حيث يربط الاستثمار الصيني بطلب صناعي أمريكي، مما يدعم طموح المملكة في بناء منظومة متكاملة للحركية الكهربائية وتوطين تقنيات ذات قيمة مضافة عالية.
فورد تضع المغرب على خريطة بطاريات السيارات الكهربائية العالمية.. تفاصيل صفقة طنجة في التفاصيل، لم تعد صناعة بطاريات السيارات الكهربائية في المغرب تقتصر على استقطاب الاستثمارات الأجنبية وبناء المصانع، بل بدأت تنتقل إلى مرحلة أكثر أهمية، تتمثل في ارتباط المشاريع الصناعية المغربية مباشرة بكبرى شركات السيارات العالمية.
وفي هذا السياق، كشفت المعطيات المالية لمجموعة BTR New Material Group الصينية أن شركة Ford Motor Company الأمريكية دفعت مسبقاً 108 ملايين دولار لفائدة فرع المجموعة المكلف بمشروع مصنع مواد الأنودات في مدينة محمد السادس طنجة تيك، وذلك ضمن اتفاق توريد تصل قيمة الدفعات المسبقة فيه إلى 120 مليون دولار.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة، لأنها تعني أن جزءاً من الإنتاج المستقبلي للمصنع المغربي أصبح مرتبطاً مسبقاً بطلب صناعي صادر عن واحدة من أكبر شركات صناعة السيارات في العالم.
108 ملايين دولار.. ما طبيعة المبلغ؟
المبلغ الذي دفعته فورد لا يمثل استثماراً مباشراً في رأسمال شركة BTR، كما أنه ليس منحة حكومية أو مساهمة في ملكية المصنع، وإنما يتعلق بتسبيق تجاري مرتبط بعقد لتوريد الغرافيت الاصطناعي.
وبحسب البيانات المالية، أبرمت الشركة المغربية التابعة لـBTR اتفاقاً مع فورد وشركات مرتبطة بها، يتضمن توريد الغرافيت الاصطناعي، إلى جانب آلية للدفع المسبق.
وكان الحد الأقصى للدفعات المسبقة المتفق عليها يبلغ 120 مليون دولار، فيما بلغت المبالغ التي تم تحصيلها فعلياً 108 ملايين دولار إلى غاية 30 يونيو 2026، أي نحو 90 في المائة من القيمة المحددة للتسبيقات.
وتسمح هذه الآلية لمشروع BTR بالحصول على موارد مالية خلال مرحلة بناء وتجهيز المصنع، في الوقت الذي تضمن فيه فورد جزءاً من احتياجاتها المستقبلية من مادة أساسية تدخل في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية.
مصنع الأنودات.. المشروع الذي تراهن عليه BTR في طنجة
يأتي هذا الاتفاق في إطار مشروع صناعي كبير تطوره المجموعة الصينية في مدينة محمد السادس طنجة تيك، حيث تعمل BTR على إنشاء وحدة متخصصة في مواد الأنودات بطاقة إنتاجية تصل إلى 60 ألف طن سنوياً.
وتعتبر مواد الأنود أحد المكونات الأساسية في بطاريات الليثيوم-أيون المستخدمة على نطاق واسع في السيارات الكهربائية.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن مشروع الأنودات يشكل جزءاً من استثمار أوسع للمجموعة الصينية في المغرب، إلى جانب مشروع لإنتاج مواد الكاثود بطاقة تصل إلى 50 ألف طن سنوياً.
وكانت وزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية قد أكدت أن مشروعي الأنودات والكاثودات يمثلان استثماراً إجمالياً يبلغ حوالي 6 مليارات درهم، مع توقع إحداث أكثر من 1150 منصب شغل مباشر. كما يرتقب أن يدخل المشروعان مرحلة الإنتاج خلال سنة 2026.
لماذا تحتاج فورد إلى الغرافيت الاصطناعي؟
الغرافيت الاصطناعي يدخل في صناعة الأنود، وهو جزء أساسي من الخلية الكهربائية لبطاريات الليثيوم-أيون.
وبالنسبة لشركات السيارات الكهربائية، فإن تأمين المواد والمكونات الأساسية للبطاريات أصبح قضية استراتيجية، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية على سلاسل الإمداد وارتفاع أهمية المواد الداخلة في تصنيع البطاريات.
ولهذا، فإن اتفاق فورد مع BTR لا يتعلق فقط بشراء مادة من مورد جديد، بل يندرج ضمن توجه أوسع لدى صناعة السيارات يتمثل في تأمين مصادر الإمداد المستقبلية قبل وصول المصانع إلى كامل طاقتها الإنتاجية.
وقد أشار تقرير للجنة التجارة الدولية الأمريكية إلى وجود اتفاق توريد بقيمة 120 مليون دولار مرتبط بإنتاج مصنع BTR في طنجة، مع الإشارة إلى الطاقة الإنتاجية المخطط لها، والتي تصل إلى حوالي 60 ألف طن سنوياً من مواد الأنود النشطة.
من الاستثمار الصيني إلى الزبون الأمريكي
اللافت في هذه الصفقة ليس حجم المبلغ فقط، وإنما طبيعة العلاقة التي بدأت تتشكل حول المصنع المغربي.
فالمشروع في الأصل استثمار لمجموعة صينية في المغرب، لكنه أصبح مرتبطاً بعقد توريد مع شركة أمريكية عملاقة في صناعة السيارات.
وبذلك، تتقاطع في طنجة ثلاثة أطراف رئيسية في سلسلة صناعية واحدة:
| الطرف | الدور |
|---|---|
| BTR الصينية | تصنيع مواد الأنود والغرافيت الاصطناعي |
| المغرب | احتضان المشروع والمنصة الصناعية |
| Ford الأمريكية | شراء جزء من الإنتاج المرتقب |
وهذا النوع من الروابط الصناعية هو الذي يمنح المشروع أهمية تتجاوز حدود الاستثمار المحلي، لأنه يضع الإنتاج الذي سيخرج من طنجة ضمن سلسلة توريد دولية لصناعة السيارات الكهربائية.
لماذا يمثل ذلك مكسباً للمغرب؟
بالنسبة للمغرب، تكمن أهمية الصفقة في أنها تعزز الانتقال من نموذج يقوم فقط على استقطاب المصانع إلى نموذج أكثر اندماجاً في سلاسل القيمة العالمية.
فوجود مصنع لإنتاج مكونات البطاريات أمر مهم، لكن وجود زبون صناعي عالمي مرتبط مسبقاً بالإنتاج يضيف طبقة أخرى من القيمة للمشروع.
ويعني ذلك أن طنجة لا تكتفي باحتضان منشأة صناعية موجهة للتصدير، وإنما يمكن أن تصبح جزءاً من شبكة إمدادات تمتد إلى شركات صناعة السيارات العالمية.
وهذا يتقاطع مع التوجه المغربي نحو تطوير منظومة متكاملة للسيارات الكهربائية، تشمل مكونات البطاريات والأنودات والكاثودات، إلى جانب قاعدة صناعة السيارات القائمة في المملكة.
مشروع BTR يتجاوز مصنعاً واحداً
وكانت BTR قد أعلنت عن مشروعها الخاص بمواد الأنود في طنجة بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ 60 ألف طن، باستثمار مخطط له يصل إلى نحو 366 مليون دولار، في إطار توسعها الدولي خارج الصين.
وفي الوقت نفسه، تواصل المجموعة تطوير مشروع مواد الكاثود بطاقة 50 ألف طن سنوياً، وهو ما يعزز الطابع المتكامل لحضورها الصناعي بالمغرب.
وأكدت وزارة الاستثمار في وقت سابق أن مشروعي الأنود والكاثود يندرجان ضمن استراتيجية تهدف إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة للحركية الكهربائية في المملكة.
ماذا تعني الصفقة لفورد؟
بالنسبة إلى فورد، يوفر الاتفاق إمكانية تأمين جزء من إمدادات مادة أساسية لبطاريات السيارات الكهربائية من منشأة تقع خارج الصين.
أما بالنسبة إلى BTR، فإن الحصول على دفعة مسبقة بهذا الحجم يوفر سيولة مهمة خلال مرحلة تطوير المشروع، ويعكس في الوقت نفسه وجود طلب صناعي واضح على جزء من الإنتاج المستقبلي.
وبالنسبة للمغرب، فإن المعادلة تبدو أكثر أهمية: مصنع صيني على الأراضي المغربية، يمول جزءاً من نشاطه عبر تسبيق تجاري من شركة أمريكية، لإنتاج مادة تدخل في صناعة السيارات الكهربائية العالمية.
وهذه هي النقطة التي تجعل مبلغ 108 ملايين دولار أكثر من مجرد رقم في حسابات شركة صينية؛ فهو مؤشر على أن طنجة بدأت تتحول إلى حلقة فعلية داخل سلسلة توريد عالمية جديدة للسيارات الكهربائية.
طنجة.. من منصة للسيارات إلى منصة للبطاريات
تراهن المملكة منذ سنوات على تطوير منظومتها الصناعية المرتبطة بالسيارات، واستقطاب استثمارات جديدة في المجالات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
ومع مشاريع البطاريات وموادها الأساسية، يتوسع هذا الرهان تدريجياً من تصنيع السيارات ومكوناتها التقليدية إلى قطاعات مرتبطة مباشرة بالتحول العالمي نحو التنقل الكهربائي.
ومن هنا، فإن ارتباط مصنع BTR في طنجة بعقد توريد مع فورد قد يكون أحد المؤشرات المهمة على المرحلة المقبلة: المغرب لا يريد فقط أن يكون مكاناً تُصنع فيه السيارات، بل يسعى إلى أن يصبح جزءاً من المواد والتقنيات التي تقوم عليها السيارة الكهربائية نفسها.
وبالنسبة لطنجة، فإن الرهان الأكبر سيكون في تحويل هذه الاستثمارات إلى منظومة صناعية متكاملة، قادرة على جذب مزيد من الموردين والمصنعين العالميين، وخلق قيمة مضافة محلية، وتطوير الكفاءات المتخصصة، وربط الإنتاج المغربي بشكل أعمق بالأسواق العالمية.

التعاليق (0)