تميز خطاب العرش لعام 2026 بتحول لافت من التركيز على قضية الصحراء المغربية نحو الأولويات الاقتصادية والسيادة الوطنية، حيث عكس تراجع الحيز المخصص للملف الدبلوماسي ثقة ملكية في مساره الآمن. ركز الخطاب على تعزيز النمو الاقتصادي وتطوير الصناعات الاستراتيجية، مع توجيه رسالة حازمة للقطاع المالي بضرورة دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، مما يؤكد أن المعركة القادمة للمغرب هي معركة تنموية داخلية تتطلب تضافر جهود المؤسسات المالية والسياسية لتحصين المكاسب الوطنية.
الملاحظ في الخطاب الملكي السامي الذي توجه به مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده بمناسبة تخليد الذكرى 27 لعيد العرش المجيد أن قضية الصحراء المغربية لم تحتل حيزا كبيرا كما كان يحدث في السابق، خصوصا في ظل الزخم الدبلوماسي المتصاعد الذي عاشته و تعيشه المملكة.
المفاجأة بالنسبة لي في الخطاب لم تكن فيما قيل، بل فيما لم يُقل فالخطاب الذي استمع إليه المغاربة مساء أمس الأربعاء لم يفرد لملف الصحراء الحيز المعتاد من الحماسة والتفصيل واكتفى بالإشارة الضمنية إلى “الشراكات الجديدة المتوازنة” و”الفاعل الدولي الموثوق” وانتقل بسرعة إلى ملف آخر يتعلق بالاقتصاد والسيادة الوطنية.
وهنا يكمن المعنى الحقيقي لأن الخطاب السامي حين يتجاوز موضوعا كان يُعتبر لسنوات “قضية مصيرية أولى” فهذا لا يعني التراجع عنه، بل يعني أنه أصبح في مسار مأمون، لم يعد بحاجة لتكرار التأكيد عليه في كل مناسبة.
الصمت هنا ليس غيابا، بل ثقة..
في المقابل، جاء الثقل الفعلي للخطاب من الناحية الاقتصادية بامتياز بنمو بلغ 4,9%، من خلال صادرات السيارات وصناعة الطيران اللتان تجاوزتا الفوسفاط، وحديث عن “الاكتفاء الاستراتيجي” في زمن الحمائية العالمية.
لكن اللافت أكثر كان تلك الجملة التي مرت بهدوء هي الدعوة الملكية السامية للفاعلين بالقطاع المالي الوطني إلى نقلة نوعية في تمويل المقاولات الصغيرة والمتوسطة وهذه ليست مجاملة دبلوماسية للبنوك، بل أقرب إلى تنبيه مبطن فحين يخصص الملك فقرة كاملة لمطالبة القطاع المالي بالتحرك، فهذا يعني أن هناك من يرى أن البنوك لا تزال متحفظة، وأن التمويل (لا النوايا) هو ما يعرقل مسيرة “المغرب الصاعد”
وبين إشارة إلى انتخابات تشريعية مقبلة وحكومة جديدة مقبلة يُنتظر منها “تحصين المكاسب” يبدو أن رسالة هذا العام لم تكن موجهة للخارج بقدر ما كانت موجهة للداخل لأن المعركة القادمة لم تعد في أروقة الأمم المتحدة، بل في مكاتب البنوك وقاعات البرلمان المقبل.
أحيانا، أبلغ الرسائل هي تلك التي تُقال بأقل الكلمات.
- بقلم: أحمد بندويش

التعاليق (0)