لم يعد تنظيم كأس إفريقيا للأمم اليوم مسألة رغبة أو طموح رياضي فقط، بل تحوّل إلى ورش مالي ولوجستي معقد، لا تقدر عليه إلا دول محدودة تمتلك بنية تحتية قوية، واستقرارًا مؤسساتيًا، وقدرة فعلية على احترام دفتر تحملات صارم تفرضه الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم.
هذا التحول تجسّد بوضوح في نسخة 2025 التي احتضنها المغرب، وانتهت الأسبوع الماضي، وخلفت ردود فعل واسعة داخل القارة وخارجها، بحكم التنظيم المحكم والمستوى العالي للملاعب العالمية، إضافة إلى جودة الخدمات اللوجستية، وسلاسة التنقل، والانضباط الأمني، والبنية الإعلامية المتطورة. نسخة وُصفت من طرف متابعين ومسؤولين بأنها استثنائية بكل المقاييس، ورفعت سقف التوقعات بشكل غير مسبوق لما يجب أن تكون عليه كأس إفريقيا في صيغتها الجديدة.
منذ اعتماد مشاركة 24 منتخبًا، تضاعفت التحديات بشكل واضح. فالمطلوب لم يعد يقتصر على ملاعب جاهزة، بل منظومة متكاملة تشمل شبكات نقل فعالة، طاقة فندقية كبيرة، جاهزية أمنية عالية، وقدرة على استيعاب الضغط الجماهيري والإعلامي لأسابيع متتالية. وهي متطلبات رفعت كلفة التنظيم إلى مستويات باتت خارج متناول العديد من الدول.
لهذا السبب، بدأ خيار التنظيم المشترك يطرح كحل بديل لدى بعض الاتحادات، في محاولة لتقاسم العبء المالي واللوجستي. غير أن هذا الخيار نفسه يظل محفوفًا بإكراهات تنظيمية، تتعلق بتوحيد المعايير وضمان الجودة وسلاسة التنقل، وهي عناصر لا تنظر إليها “الكاف” بارتياح كبير، خاصة بعد نجاح تجربة مغربية رفعت المعايير إلى مستوى جديد.
في هذا السياق، تبرز نسخة 2028 كحالة خاصة. فإلى حدود اليوم، لم يتم إيداع أي ملف رسمي، ما يضع الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم “الكاف” أمام مأزق حقيقي، في ظل ضغط الزمن ومتطلبات الشركاء التجاريين وحقوق البث، التي تفرض وضوحًا مبكرًا في الرؤية.
وهنا يعود اسم المغرب إلى الواجهة، ليس كمرشح تقليدي، بل كخيار واقعي تفرضه الوقائع. تجربة تنظيمية ناجحة وحديثة العهد، بنية تحتية جاهزة، مصداقية في احترام الالتزامات، وثقة متزايدة لدى الهيئات القارية والدولية. لذلك، يبدو أن الجميع اليوم، داخل “الكاف” وخارجها، يترقب موقف المغرب، باعتباره الطرف القادر على إخراج القارة من حالة الانتظار.الخلاصة باتت واضحة: تنظيم كأس إفريقيا لم يعد متاحًا للجميع، وبعد نسخة 2025، أصبح المغرب معيارًا يُقاس عليه، لا مجرد مرشح ضمن لائحة طويلة.
ويبقى القرار النهائي رهينًا بتوازنات داخل الكونفدرالية الإفريقية، وبحسابات المغرب الاستراتيجية، في ظل أجندة كروية وقارية مزدحمة خلال السنوات المقبلة.

التعاليق (0)