يواجه المغرب تحولات أمنية متسارعة تتجاوز التهديدات التقليدية لتشمل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والحروب الهجينة، مما يستوجب الانتقال من التدبير الميداني إلى الاستشراف الاستراتيجي. ورغم قوة المنظومة الأمنية الحالية، تبرز ضرورة تفعيل المجلس الأعلى للأمن المنصوص عليه دستورياً كإطار مؤسساتي موحد لتقييم المخاطر وتنسيق السياسات الوطنية، بما يضمن حماية السيادة ومواكبة التحديات المستقبلية المعقدة في ظل بيئة إقليمية ودولية متغيرة.
تدخل المنظومة الأمنية المغربية مرحلة جديدة تفرض عليها الانتقال من تدبير التهديدات القائمة إلى استشراف تهديدات أكثر تعقيدا، بعدما أصبح الأمن الوطني مرتبطا بفضاءات متعددة تتجاوز المفهوم التقليدي للجريمة، لتشمل الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وحماية البنيات التحتية الحيوية، والجر.يمة المنظمة العابرة للحدود، والحروب المعلوماتية، والتضليل الرقمي، إلى جانب التحولات الأمنية المتسارعة في الساحل وشمال إفريقيا.
والمغرب لا يبدأ من الصفر؛ فقد طور خلال السنوات الأخيرة قدرات متقدمة في الاستعلام ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والأمن الرقمي، كما اعتمد الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني في أفق 2030، وطور آليات لرصد والاستجابة للحوادث السيبرانية وحماية نظم المعلومات والبنيات ذات الأهمية الحيوية.
لكن طبيعة المخاطر المقبلة ستفرض مستوى أعلى من التنسيق الاستراتيجي. فالتهديد القادم قد لا يكون اعتداء إرهابيا تقليديا، وإنما هجوما سيبرانيا متزامنا مع حملة تضليل، أو استهدافا لبنية تحتية حيوية، أو توظيفا للذكاء الاصطناعي في التجنيد والتزييف والتأثير، أو نشاطا إجراميا عابرا للحدود يجمع بين المخدرات والاتجار بالبشر والتمويل الرقمي.
وهنا تحديدا تبرز الحاجة إلى مؤسسة دستورية قادرة على جمع الرؤية الأمنية الوطنية في إطار استراتيجي موحد.
فالفصل 54 من الدستور أحدث المجلس الأعلى للأمن باعتباره هيئة للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي، وتدبير حالات الأزمات، ومأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة، برئاسة الملك وبتشكيلة تجمع المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية والقطاعات والمسؤولين الأمنيين والعسكريين المعنيين.
ومن ثم، فإن النقاش اليوم لا ينبغي أن ينصرف إلى إنشاء مؤسسة جديدة، لأنها موجودة دستوريا، وإنما إلى استكمال تنزيلها وتفعيل أدوارها بما يتناسب مع حجم التحولات التي يعرفها مفهوم الأمن الوطني.
إن تفعيل المجلس الأعلى للأمن يمكن أن يشكل قيمة مضافة في مرحلة أصبحت فيها الحدود بين الأمن الداخلي والخارجي أقل وضوحا، وبين الأمن التقليدي والأمن السيبراني أكثر تداخلا. كما يمكن أن يوفر إطارا استراتيجيا للتنسيق بين مختلف المؤسسات، وتقييم المخاطر الكبرى، واستشراف الأزمات، وربط الأمن الداخلي بالتحولات الإقليمية والدولية.
والمسألة هنا ليست مرتبطة بوجود خلل في أداء الأجهزة الأمنية؛ بل على العكس، فإن قوة المنظومة الميدانية وتراكم خبرتها تجعل الحاجة أكبر إلى إطار دستوري استراتيجي يواكب هذا التطور ويمنحه بعدا مؤسساتيا أوسع.
فالمغرب مقبل على مرحلة أمنية تتطلب قراءة جماعية للمخاطر، خصوصا مع تنامي التهديدات الهجينة والرقمية. وقد أصبح الذكاء الاصطناعي نفسه يتحول إلى قدرة استراتيجية للدول، فيما تبرز تحديات جديدة مرتبطة بمساءلة الأنظمة الذكية وحماية البيانات والسيادة الرقمية.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي أمام السياسة الأمنية المغربية لم يعد فقط امتلاك أجهزة قوية وفعالة، وإنما امتلاك قدرة وطنية مؤسساتية على استشراف المستقبل الأمني، وتحديد المخاطر الكبرى قبل وقوعها، وتنسيق الاستجابة لها.
إن تفعيل المجلس الأعلى للأمن، في تقديري، لم يعد ترفا مؤسساتيا ولا خيارا مؤجلا، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة وحجم التحولات المحيطة بالمغرب.
فالدولة التي تستشرف التهديدات قبل وقوعها تكون أكثر قدرة على حماية أمنها وسيادتها ومصالحها. والمجلس الأعلى للأمن، كما تصوره الدستور، يمكن أن يكون إحدى أهم أدوات هذا الاستشراف.
المغرب يمتلك منظومة أمنية قوية في الميدان؛ والتحدي المقبل هو أن يمتلك، بالقدر نفسه، منظومة استراتيجية متكاملة لصناعة القرار الأمني واستشراف المستقبل.

التعاليق (0)