المغرب يربط الموانئ بالطاقة.. أوراش استراتيجية لتعزيز الاستثمار والتجارة

المغرب يربط الموانئ بالطاقة اقتصاد المغرب يربط الموانئ بالطاقة

يتجه المغرب إلى تعزيز تكامل بنيته التحتية المينائية والطاقية واللوجستية، من خلال مواصلة إنجاز مشاريع كبرى في الأقاليم الجنوبية والجهة الشرقية، إلى جانب تطوير الربط الكهربائي مع إسبانيا، في مسعى لتحسين موقع المملكة ضمن مسارات التجارة الدولية وتوفير شروط أكثر ملاءمة للاستثمار والإنتاج.

وتكشف وثائق مشروع قانون المالية لسنة 2027 عن تقدم عدد من هذه الأوراش، في مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي، الذي بلغت نسبة تقدم أشغاله 70 في المائة في منتصف شتنبر 2026، وفق المعطيات الواردة في الوثائق المصاحبة للمشروع. كما تتواصل الاستعدادات للانتقال بمشروع الناظور غرب المتوسط من مرحلة البناء إلى مرحلة ما قبل الاستغلال، بالتوازي مع مشاريع لتطوير البنية التحتية للنقل والطاقة.

ميناء الداخلة الأطلسي.. رهان على التجارة والانفتاح الإفريقي

يعد ميناء الداخلة الأطلسي من أبرز المشاريع المينائية الاستراتيجية التي يعول عليها المغرب لتعزيز موقعه الاقتصادي في الواجهة الأطلسية، بالنظر إلى قدرته المرتقبة على دعم المبادلات التجارية وتطوير الأنشطة الصناعية واللوجستية المرتبطة بالميناء.

ويكتسي المشروع أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه الجغرافي، الذي يمكن أن يتيح فرصاً أوسع للربط التجاري بين المغرب وعمقه الإفريقي، فضلاً عن تعزيز جاذبية الأقاليم الجنوبية للاستثمارات المرتبطة بالنقل البحري والخدمات والصناعات التحويلية.

ولا تقتصر أهمية الميناء على توفير بنية لاستقبال السفن وتداول البضائع، بل ترتبط أيضاً بما يمكن أن ينشأ حوله من أنشطة اقتصادية، تشمل التخزين والتوزيع والخدمات اللوجستية والصناعات التي تحتاج إلى منافذ بحرية فعالة.

غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى مكاسب اقتصادية فعلية يظل مرتبطاً بقدرة المشروع على استقطاب المستثمرين، وتوفير مناطق للأنشطة الاقتصادية، وضمان الربط الفعال مع شبكة الطرق والبنيات التحتية الأخرى.

الناظور غرب المتوسط.. استكمال منظومة الموانئ

في الجهة الشرقية، يمثل مشروع الناظور غرب المتوسط أحد المكونات الأساسية لاستراتيجية تطوير البنية التحتية المينائية بالمغرب. ويستهدف المشروع تعزيز قدرات المملكة في مجال الخدمات المينائية واللوجستية، وتهيئة الظروف لاستقطاب أنشطة صناعية وتجارية مرتبطة بالمبادلات الدولية.

وتكتسب هذه المنشأة أهمية إضافية من خلال تكاملها المحتمل مع الشبكات الطرقية ومناطق الأنشطة الاقتصادية، بما يسمح بتسهيل نقل البضائع من الميناء إلى الأسواق ومراكز الإنتاج والتوزيع.

كما أن استكمال الربط الطرقي المباشر للميناء يظل عنصراً مهماً في تحسين قدرته التنافسية، لأن مردودية البنية المينائية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات المرصودة لها، بل أيضاً بسرعة نقل البضائع وكلفة الخدمات وفعالية الربط مع باقي جهات المملكة.

ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال من إنجاز المنشآت إلى مرحلة الاستغلال الفعلي سيشكل اختباراً لقدرة المشروع على جذب حركة تجارية منتظمة وتحويل موقعه إلى رافعة للاستثمار والتشغيل.

الطاقة.. مكون أساسي في تنافسية الموانئ والمناطق الصناعية

بالتوازي مع تطوير الموانئ، يبرز الاستثمار في البنية التحتية الكهربائية باعتباره عاملاً أساسياً في دعم الأنشطة الصناعية واللوجستية، خصوصاً أن المنشآت الكبرى ومناطق الإنتاج تحتاج إلى إمدادات مستقرة وقدرات كافية لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء.

وفي هذا السياق، يتضمن النص المتداول بشأن المشاريع المرتبطة بالربط الكهربائي الإشارة إلى ممر بوجدور–تانسيفت بقدرة تصل إلى 2000 ميغاواط. ويستدعي هذا المعطى الرجوع إلى الوثيقة التقنية الرسمية لتحديد طبيعة المشروع ومكوناته وجدول تنفيذه، قبل اعتماد تفاصيله باعتبارها معطيات نهائية.

وتبرز أهمية مشاريع نقل الكهرباء في تمكين الشبكة الوطنية من نقل الطاقة بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك، بما يدعم استقرار الإمدادات ويساعد على تلبية حاجيات الأنشطة الاقتصادية الجديدة.

كما أن تطوير الشبكة الكهربائية يكتسي أهمية في سياق تنويع مصادر الطاقة وتعزيز استيعاب الكهرباء المنتجة من المصادر المتجددة، مع ضرورة توفير البنية اللازمة لنقلها وتوزيعها بكفاءة.

الربط الكهربائي مع إسبانيا.. صيانة البنية التحتية القائمة

وفي سياق التعاون الطاقي بين المغرب وإسبانيا، أعلن المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب عن نتيجة طلب عروض يتعلق بفحص الكابلات البحرية للربط الكهربائي بين البلدين.

وبحسب النتيجة المنشورة على الموقع الرسمي للمكتب، جرى إسناد الصفقة إلى شركة ACSM Shipping Co SL، بعد فتح العروض في 7 غشت 2026، على أن يكون تاريخ البت في الصفقة هو 2 أكتوبر 2026، بقيمة بلغت 733 ألفاً و609 يوروهات دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة.

وتندرج هذه العملية ضمن أعمال الفحص والصيانة التقنية للبنية التحتية التي تؤمن الربط الكهربائي بين الضفتين، وهي منشآت تكتسي أهميتها من دورها في دعم التبادل الكهربائي وضمان استمرارية عمل الشبكة.

ويعكس هذا الجانب أن تطوير البنية التحتية الطاقية لا يقتصر على إنجاز خطوط ومشاريع جديدة، بل يشمل أيضاً صيانة المنشآت القائمة ومراقبة سلامتها التقنية، بما يساعد على تقليص مخاطر الأعطاب وتحسين موثوقية الربط.

من عبور البضائع إلى خلق القيمة الاقتصادية

تكمن الأهمية الاقتصادية لتكامل الموانئ والطرق والطاقة في قدرته المحتملة على نقل المغرب من مجرد فضاء لعبور البضائع إلى منصة تستقطب أنشطة الإنتاج والتحويل والتخزين والتوزيع.

فعندما تتوفر المنشآت المينائية وشبكات النقل والإمدادات الكهربائية في إطار متكامل، تصبح بعض الاستثمارات الصناعية أكثر قابلية للاستقرار بالقرب من الموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية. ويمكن لذلك أن يساهم في خلق فرص الشغل وتطوير سلاسل التوريد المحلية، شريطة أن تتوافر بقية شروط الاستثمار والمنافسة.

لكن هذه النتائج ليست تلقائية؛ فوجود ميناء حديث أو خط كهربائي بقدرات مرتفعة لا يكفي وحده لضمان تدفق الاستثمارات. إذ تتوقف المردودية الاقتصادية أيضاً على كلفة الخدمات، وسرعة الإجراءات الجمركية والإدارية، وجودة الربط مع الأسواق الداخلية والخارجية، وتوفر العقار الصناعي والموارد البشرية المؤهلة.

كما أن قياس الأثر الحقيقي لهذه المشاريع يتطلب متابعة مؤشرات عملية، من بينها حجم البضائع التي تتم معالجتها، وعدد الشركات التي تستقر في المناطق المرتبطة بها، والاستثمارات الخاصة المستقطبة، ومناصب الشغل المحدثة، ومدى انعكاس تحسن الخدمات اللوجستية على كلفة الإنتاج والنقل.

وبذلك، لا يرتبط الرهان المغربي بحجم المنشآت التي يجري بناؤها فحسب، بل بمدى نجاحها في تشكيل منظومة متكاملة تجعل البنية التحتية وسيلة لرفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

المصادر:

التعاليق (0)

اترك تعليقاً