الميركاتو السياسي… حين تتحول السياسة من مشروع مجتمعي إلى سوق للانتقالات

الميركاتو السياسي… حين تتحول السياسة من مشروع مجتمعي إلى سوق للانتقالات آراء الميركاتو السياسي… حين تتحول السياسة من مشروع مجتمعي إلى سوق للانتقالات

تنتقد هذه المقالة ظاهرة "الميركاتو السياسي" التي تحول الانتماء الحزبي إلى حسابات انتخابية ضيقة تتجاوز المبادئ والبرامج، مما يضعف الثقة في العمل السياسي. وتؤكد أن جوهر الممارسة السياسية يكمن في الالتزام الأخلاقي والتعاقد مع المواطن، تماشياً مع الرؤية الملكية الداعية إلى أحزاب قوية ونخب كفؤة. إن إصلاح المشهد السياسي يتطلب تجاوز ثقافة الترحال الحزبي نحو ترسيخ أخلاقيات الممارسة، لضمان تنافس قائم على الكفاءة والمسؤولية بما يخدم طموحات المغرب التنموية.


تكشف التحركات السياسية المبكرة التي تسبق كل استحقاق انتخابي عن تنامي ما يمكن تسميته بـ”الميركاتو السياسي”، حيث يصبح الانتقال بين المواقع والانتماءات جزءًا من حسابات انتخابية تتقدم أحيانًا على المبادئ والبرامج والرؤى. ورغم أن هذا السلوك لا يثير، من الناحية الدستورية والقانونية، إشكالًا في حد ذاته ما دام يتم في إطار ما يسمح به القانون، فإنه يطرح، على المستوى السياسي والأخلاقي، أسئلة عميقة حول معنى الالتزام الحزبي ومصداقية العمل السياسي.

فالسياسة ليست مجرد انتقال من موقع إلى آخر بحثًا عن فرص أو ضمانات انتخابية، بل هي تعاقد أخلاقي مع المواطن، يقوم على الوفاء للبرنامج والهوية السياسية والاختيارات التي مُنحت على أساسها الثقة. وعندما يتحول المشهد إلى سباق لاستقطاب الأسماء وتبادل الولاءات، فإن الخاسر الأول هو منسوب الثقة في المؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية.

لقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في أكثر من خطاب، أن المغرب في حاجة إلى أحزاب سياسية قوية، ذات مصداقية، وقادرة على تأطير المواطنين وإفراز نخب كفؤة تتحمل المسؤولية بروح وطنية. وهذه الرؤية لا تنسجم مع ممارسات تجعل الانتماء الحزبي قابلًا للتغيير وفق موازين اللحظة أو الحسابات الانتخابية الضيقة.

إن المغرب، وهو يواصل تنزيل أوراشه الكبرى واستعداداته للاستحقاقات الوطنية والدولية، يحتاج إلى تنافس سياسي قائم على البرامج والكفاءات وجودة التدبير، لا إلى “ميركاتو سياسي” يختزل الفاعل السياسي في رقم انتخابي قابل للانتقال من موقع إلى آخر. فالتعددية الحزبية قيمة دستورية، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في ترسيخ الالتزام والمسؤولية، لا في تكريس ثقافة الترحال وإعادة التموضع كلما اقترب موعد الانتخابات.

إن إصلاح الحياة السياسية لا يمر فقط عبر النصوص القانونية، بل يبدأ أيضًا من ترسيخ أخلاقيات الممارسة السياسية، لأن قوة الديمقراطية لا تقاس بعدد الأحزاب أو كثرة التحالفات، وإنما بمدى احترام المبادئ، والوفاء للناخب، والإسهام في بناء مشهد سياسي مستقر يواكب طموحات المغرب الصاعد.

  • بقلم: نجيب الأضادي

التعاليق (0)

اترك تعليقاً