في زمن يزداد فيه إيقاع الحياة سرعة وضغطاً، يجد كثيرون أنفسهم غارقين في العمل والسعي إلى بناء المستقبل، قبل أن يكتشفوا متأخرين أن السنوات مرّت بعيداً عن أبسط التفاصيل الإنسانية التي تمنح الحياة معناها الحقيقي. هذا المعنى عاد الإعلامي المغربي عبد الصمد ناصر لطرحه من خلال تدوينة مؤثرة حملت الكثير من الصدق والتأمل.
واستهل عبد الصمد ناصر تدوينته بعبارة لافتة قال فيها: “لم أكن أعرف أنني أؤجل حياتي”، قبل أن يروي حديثاً جمعه في وقت سابق بصديق يعمل مراسلاً صحافياً، أخبره بحسرة أن سنوات العمل الطويلة، رغم ما حققته من نجاح مهني واستقرار، سرقت منه الوقت الذي كان يفترض أن يعيشه مع أسرته.
وأوضح الإعلامي المغربي أن الأمر لا يتعلق بتقصير متعمد تجاه العائلة، بل بإيقاع مهني متسارع يستهلك السنوات تدريجياً، ويجعل الحياة الأسرية تعيش على هامش الوقت المتبقي. وهي الفكرة التي قال إنه اكتشف معناها الحقيقي بعد توقفه الاضطراري عن العمل قبل سن الستين بخمس سنوات.
وأشار إلى أن العمل لم يكن بالنسبة إليه مجرد وظيفة أو مصدر رزق، بل فضاءً لتحقيق الذات ومنح الحياة معناها اليومي، غير أن مرحلة التوقف كشفت له وجهاً آخر للحياة، أكثر هدوءاً وقرباً من الأسرة والتفاصيل الصغيرة التي كان يعتقد سابقاً أنها عابرة، قبل أن يدرك لاحقاً أنها جوهر الحياة الحقيقي.
وأضاف أن أكثر ما أثار انتباهه هو شعوره بأن طفولة الأبناء مرّت بسرعة، وأن الذاكرة لم تحتفظ إلا بالقليل من اللحظات التي عاشها معهم فعلاً وسط ضغط العمل والانشغالات المهنية المتواصلة.
ولم يقدم عبد الصمد ناصر الأمر باعتباره دعوة للتخلي عن العمل أو التقليل من قيمته، بل شدد على أن الإنسان يحقق ذاته من خلال مهنته، ويستمد منها الكرامة والمعنى، غير أن الخطر يبدأ حين يبتلع العمل الزمن كله، فيخسر الإنسان دون أن ينتبه الأشياء التي كان يعمل أساساً من أجلها.
وتعيد هذه التدوينة طرح نقاش واسع حول التوازن بين الحياة المهنية والعائلية، خاصة في ظل نمط العيش الحديث الذي يدفع كثيرين إلى تأجيل لحظاتهم الإنسانية والعائلية بدعوى تأمين المستقبل، قبل أن يكتشفوا أن بعض ما يضيع مع الوقت لا يمكن استعادته.
واختتم الإعلامي المغربي تدوينته بعبارة مؤثرة لخصت الفكرة كاملة: “إن ما نؤجله ونحن نظن أننا نؤمّن الغد… لا يعود في أي غد لاحق.”

التعاليق (0)