بينما تنشغل العناوين السياسية أحياناً بالخلافات، ترسم “لغة الأرقام” الصامتة واقعاً مغايراً تماماً على الأرض؛ واقعاً يتحدث فيه المواطن المغاربي بقدَميه بحثاً عن الاستقرار والأفق الرحب.
أحدث تقارير المنظمة الدولية للهجرة كشف عن مفاجآت لم تكن بالحسبان، وضعت المغرب في صدارة “الجاذبية” الإقليمية، وكشفت عن تحولات عميقة في بوصلة الهجرة بين الأشقاء، فهل كنت تتخيل أن عدد الجزائريين المقيمين في المملكة يعادل ثلاثة أضعاف المغاربة في الجزائر؟
من المثير للاهتمام كيف تعيد هذه الأرقام رسم الصورة الذهنية التي نحملها عن جيراننا؛ فالخارطة الديموغرافية للمغرب الكبير تشهد تحولات هادئة لكنها عميقة، تجعل من الهجرة البينية قصة نجاح إنسانية وتكامل اجتماعي بعيداً عن أي ضجيج.
وبحسب معطيات المنظمة، يظهر المغرب اليوم كوجهة استقطاب رئيسية في المنطقة، حيث استطاع أن يتحول إلى “مغناطيس” حقيقي للجيران، ولاسيما الجزائريين الذين يجدون في المملكة بيئة مثالية للاستقرار والعمل، إذ يصل عددهم إلى 13,600 مقيم، وهو رقم يعكس الجاذبية السوسيو-اقتصادية للمغرب وقدرته على احتضان الكفاءات والأسر من المحيط المغاربي وتوفير بيئة عيش كريمة لهم.
وبالانتقال إلى تونس، نجدها تتربع على عرش “فسيفساء” الاستقطاب المغاربي بأرقام لافتة تتجاوز 25 ألف مقيم مغاربي، حيث يشكل الليبيون الكتلة الأكبر فيها بنحو 10,400 مقيم نظراً للقرب الجغرافي والروابط التاريخية والظروف الأمنية، يليهم الجزائريون ثم المغاربة. هذا التمركز في تونس يعطي مؤشراً على أنها لا تزال تمثل نقطة توازن وحلقة وصل تجارية واجتماعية حيوية في قلب المنطقة، مما يبرز أهمية المراكز الحضرية التونسية كوجهة جاذبة للنشاط الاقتصادي البيني.
في المقابل، تظهر الأرقام تفاوتاً كبيراً عند النظر إلى موريتانيا، التي تبدو أقل استقطاباً للتنوع المغاربي بجذبها لحوالي 2,320 مقيماً فقط من جيرانها، وهو ما يفسره الخبراء بتوجه اليد العاملة والمستثمرين نحو أسواق أكثر نضجاً وتنوعاً في الشمال.

إن هذه الأرقام في مجملها تبعث برسالة واضحة: الشعوب المغاربية تختار وجهتها بناءً على فرص الاستقرار وجودة الحياة، وفي هذا السباق الصامت، ينجح المغرب وتونس في تقديم أنفسهما كبيئات منفتحة وقادرة على استيعاب تطلعات “الإنسان المغاربي” الباحث عن أفق جديد للعيش المشترك بعيداً عن لغة الحدود والسياسة.

التعاليق (0)