دخل مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلته البرلمانية، الثلاثاء، بعد مصادقة مجلس الحكومة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري على المشروع رقم 60.26، وتقديمه من طرف وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، أمام مجلسي البرلمان في جلسة مشتركة، مع نشر نص المشروع وتقاريره ومذكراته المرافقة.
ولا يمثل تاريخ 20 أكتوبر مجرد موعد إداري، بل يشكل آخر أجل قانوني لإيداع مشروع قانون المالية بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، تطبيقا للفصل 75 من الدستور والمادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية.
ويكتسي هذا الموعد أهمية مؤسساتية خاصة، لكونه يأتي في بداية الولاية الحكومية الجديدة، ويضع أول مشروع مالي تتبناه حكومة المنصوري أمام اختبار ترجمة الالتزامات السياسية إلى اعتمادات وبرامج قابلة للتنفيذ والمراقبة.
■ من التوجهات الملكية إلى الاختيارات الميزانياتية
وكان صاحب الجلالة الملك محمد السادس قد ترأس، السبت 17 أكتوبر، مجلسا وزاريا بالقصر الملكي بالرباط، خصص للتداول والمصادقة على التوجهات العامة لمشروع قانون المالية 2027، طبقا للفصل 49 من الدستور.
وحددت هذه التوجهات خمس أولويات استراتيجية، تتعلق باستعادة القدرة الشرائية وتعزيز الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل، وتسريع الجهوية المتقدمة والتنمية الترابية، وترسيخ السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، وبناء اقتصاد قادر على تمويل هذه الطموحات مع الحفاظ على التوازنات المالية.
ومن أبرز المخرجات الإعلان عن برنامج وطني مندمج للشباب للفترة 2027-2031، وتوجيه اعتمادات مقدرة بنحو 25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة، إلى جانب تسريع مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية للغاز.
■ 13 وثيقة تكشف ما وراء الأرقام
وتكمن إحدى أهم ضمانات الشفافية الميزانياتية في المادة 48 من القانون التنظيمي للمالية، التي تلزم الحكومة بإرفاق المشروع بثلاث عشرة وثيقة.
وتشمل هذه الوثائق مذكرة التقديم، والتقرير الاقتصادي والمالي، وتقارير المؤسسات والمقاولات العمومية، ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، والحسابات الخصوصية للخزينة، والنفقات الجبائية، والدين العمومي، والميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع، والموارد البشرية، والمقاصة، والعقار العمومي المعبأ للاستثمار، إضافة إلى مذكرتي التكاليف المشتركة والتوزيع الجهوي للاستثمار.
ولا تقتصر أهميتها على الجانب المحاسبي، بل تتيح للبرلمان تقييم كلفة السياسات العمومية، ومصادر تمويلها، وانعكاساتها على المديونية والاستثمار والتوازنات الاجتماعية والمجالية.
■ البرنامج الحكومي أمام اختبار التمويل
ويأتي تقديم مالية 2027 غداة عرض المنصوري تصريحها الحكومي أمام مجلسي البرلمان، الاثنين 19 أكتوبر، طبقا للفصل 88 من الدستور، حيث أعلنت التزامات تشمل تحسين القدرة الشرائية، وإصلاح التعليم والصحة، وتشغيل الشباب، وتقليص الفوارق المجالية.
وحددت الحكومة ضمن أهدافها للفترة 2027-2031 تحقيق متوسط نمو سنوي يبلغ 5%، وحصر العجز المالي دون 3% من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض الدين العمومي إلى نحو 62% بحلول 2031، مع رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الإجمالي.
ويضع هذا التزاما مزدوجا أمام الحكومة: تعبئة الموارد الضرورية لتوسيع الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات العمومية، مع المحافظة على الاستقرار المالي وتطوير الاستثمار المنتج.
استراتيجيا، لا تقاس أهمية قانون المالية بحجم الاعتمادات المعلنة وحده، وإنما بقدرة الدولة على تحويلها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.
ولهذا تكتسب تقارير الدين العمومي والنفقات الجبائية والتوزيع الجهوي للاستثمار أهمية خاصة، باعتبارها أدوات لكشف هوامش التمويل الحقيقية، وتقييم العدالة المجالية، وتحديد مدى مساهمة الإنفاق العمومي في خلق الثروة والشغل.
وسيكون التحدي الأساسي خلال مناقشة مالية 2027 هو اختبار التناسق بين التوجهات الاستراتيجية التي أقرها المجلس الوزاري، والتعهدات التي تضمنها التصريح الحكومي، والموارد الفعلية التي يتيحها مشروع الميزانية.
فالفارق بين إعلان السياسات وتنفيذها لا تحسمه الخطابات، بل تحدده الاعتمادات المبرمجة، ونجاعة الإنفاق، ومؤشرات الإنجاز، وقدرة المؤسسات على إخضاع النتائج للتقييم والمحاسبة.

التعاليق (0)