مع اقتراب كأس العالم 2026، يعود المنتخب المغربي إلى واجهة النقاش الكروي العالمي، لكن هذه المرة في سياق مختلف تماماً عما سبق. فالفريق الذي بصم على إنجاز تاريخي في مونديال قطر 2022 بوصوله إلى نصف النهائي، والذي يواصل حضوره ضمن نخبة المنتخبات باحتلاله الرتبة السابعة عالمياً، لم يعد مجرد “مفاجأة” أو قصة صاعدة، بل أصبح رقماً ثابتاً في معادلة كرة القدم الدولية.
ورغم هذا التحول الواضح في المسار الرياضي، يكشف الفضاء الرقمي عن مفارقة لافتة. فبدل أن يواكب هذا التطور بنقاش موضوعي يعترف بحجم الإنجاز، يظهر في كثير من الأحيان خطاب يتراوح بين التقليل من قيمة المنتخب، أو التشكيك في قدرته على تكرار إنجازاته، بل وأحياناً التعبير بشكل غير مباشر عن رغبة في تعثره داخل المنافسة العالمية.

هذا النوع من الخطاب لا يمكن فصله عن طبيعة التفاعل في منصات التواصل، حيث تختلط الرياضة بالعاطفة وبحسابات غير رياضية. غير أن الملاحظ اليوم هو أن النقاش لم يعد يقتصر على الاختلاف في وجهات النظر، بل يتجاوز ذلك إلى موجة من المقارنات غير المنصفة ومحاولات التقليل من قيمة منتخب أثبت حضوره بين كبار العالم على أرضية الميدان.
في المقابل، يغيب عن هذا النقاش أن المنتخب المغربي لم يعد يتحرك في هامش كرة القدم العالمية، بل أصبح ضمن مركزها. فالنتائج التي تحققت في السنوات الأخيرة لم تكن صدفة عابرة، بل ثمرة مسار تراكمي فرض احترامه قارياً ودولياً، وجعل من المنتخب طرفاً دائماً في معادلة المنافسة على أعلى مستوى.
ومع ذلك، يظل الفارق كبيراً بين الواقع الرياضي والواقع الرقمي. فبينما تتعامل المؤسسات الكروية العالمية مع المغرب كمنتخب من الصف الأول عالمياً، تستمر بعض الخطابات في تقليص هذا الواقع أو التعامل معه بنوع من التشكيك غير المبني على معطيات فنية أو رقمية واضحة.
هنا يظهر جوهر الإشكال: كرة القدم الحديثة لا تُحسم في النقاشات الافتراضية، بل في أرضية الملعب. وكل محاولة لتقزيم الإنجاز أو التقليل من قيمته تصطدم في النهاية بالنتائج التي يفرضها الواقع الرياضي، لا الانطباع الرقمي.
ومع اقتراب مونديال 2026، يدخل المنتخب المغربي مرحلة جديدة لا ترتبط فقط بتحديات الخصوم داخل الملعب، بل أيضاً بضغط التوقعات وخطاب خارجي لا يخلو أحياناً من التشكيك أو التمنيات غير المعلنة بالفشل. غير أن هذا النوع من الضجيج، كما أثبتت التجارب السابقة، يظل بلا تأثير عندما تبدأ المنافسة فعلياً.
في النهاية، يبقى معيار الحقيقة في كرة القدم واضحاً وبسيطاً: ما يُكتب في المنصات يختفي سريعاً، أما ما يُسجل في المونديال فيبقى في التاريخ.

التعاليق (0)