يعد إقليم أوسرد بجهة الداخلة-وادي الذهب ركيزة استراتيجية في الصحراء المغربية، حيث يجمع بين الأهمية الجيوسياسية بفضل قربه من معبر الكركرات الحيوي للتبادل التجاري مع إفريقيا، وبين العمق التاريخي المتمثل في رصيد أثري غني يضم آلاف المعالم الجنائزية والنقوش الصخرية كـ"أم الرواكن". يمتد الإقليم على مساحة شاسعة تتسم بطبيعة صحراوية قاسية، ويشهد نمواً سكانياً وتطوراً في بنياته التحتية، مما يجعله مجالاً واعداً يوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية التراث الثقافي والذاكرة الوطنية.
يمتد إقليم أوسرد في أقصى جنوب المغرب، ضمن جهة الداخلة-وادي الذهب، ويجمع بين المجال الصحراوي الواسع والامتداد التاريخي العميق والرهانات الاقتصادية المرتبطة بالمعبر الحدودي الكركرات. ولا تقتصر أهمية الإقليم على موقعه الجغرافي، بل تشمل أيضا رصيدا أثريا يعود إلى فترات ما قبل التاريخ، ومؤهلات طبيعية وثقافية تعكس خصوصية المجال الصحراوي المغربي.
ويقدم هذا الدليل أبرز المعلومات المتاحة عن الإقليم، من موقعه وسكانه وجماعاته الترابية، إلى تراثه الأثري ودوره في حركة المبادلات التجارية نحو إفريقيا جنوب الصحراء.
أين يقع إقليم أوسرد؟
ينتمي إقليم أوسرد إلى جهة الداخلة-وادي الذهب، ويقع في الجزء الجنوبي من المملكة، ضمن مجال صحراوي يتميز باتساعه وقلة التساقطات وتنوع تضاريسه بين الهضاب الصخرية والسهول الجافة والكثبان والمناطق الساحلية.
وتوجد بلدة أوسرد، التي تحمل اسم الإقليم، في عمق المجال الصحراوي، على مسافة تقارب 260 كيلومترا شرقي مدينة الداخلة وفق المعطيات التعريفية المتاحة. أما بئر كندوز، فتكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها القريب من معبر الكركرات ودورها في احتضان عدد من الخدمات والأنشطة المرتبطة بحركة العبور.
ويمنح موقع الإقليم أهمية استراتيجية ضمن المجال الجنوبي للمغرب، خصوصا في ما يتعلق بالربط البري والتبادل التجاري مع موريتانيا وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء.

كم يبلغ عدد سكان إقليم أوسرد؟
بحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بلغ عدد سكان إقليم أوسرد 24 ألفا و498 نسمة، مقابل 16 ألفا و190 نسمة في إحصاء 2014، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المتاحة.
ويعكس هذا التطور ارتفاع عدد السكان المسجلين بين الإحصاءين، وإن كان فهم أسبابه يتطلب الرجوع إلى تفاصيل الحركة السكانية والاستقرار والتنقل الموسمي، وهي عوامل تكتسي أهمية خاصة في المجالات الصحراوية الواسعة.
وتجدر الإشارة إلى أن الإحصاء نفسه يورد معطيات خاصة ببعض الجماعات والمراكز، من بينها بئر كندوز وأوسرد والكويرة، مع اختلاف أنماط الاستقرار بين الوسطين الحضري والقروي.
ما الجماعات الترابية التابعة للإقليم؟
يتكون إقليم أوسرد من ست جماعات ترابية هي الكويرة وبئر كندوز وأوسرد وتيشلا والزوك وأغوينيت، وفق المعطيات المتاحة حول التقسيم الترابي للإقليم.
وتختلف وظائف هذه الجماعات ومراكزها بحسب الموقع وطبيعة الاستقرار والأنشطة القائمة فيها. وتبرز بئر كندوز خصوصا لقربها من معبر الكركرات، فيما ترتبط أوسرد بالعمق التاريخي للمجال الذي يحمل اسمها، وتضم الجماعات الأخرى مجالات صحراوية واسعة ذات خصائص جغرافية وسكانية متباينة.
أما الكويرة، فترد ضمن الجماعات المدرجة في المعطيات الإحصائية الخاصة بالإقليم، وتتمتع بموقع ساحلي وتاريخ محلي يرتبط بالمجال الجنوبي للمملكة.
أوسرد.. متحف مفتوح للآثار الجنائزية والنقوش الصخرية
تعد الثروة الأثرية من أبرز المؤهلات التاريخية لإقليم أوسرد. فقد أظهرت أبحاث أثرية أشرفت عليها باحثات مغربيات ومتخصصون في التراث أن المنطقة تضم أكثر من 1730 منشأة أو معلما جنائزيا، إلى جانب ألواح تحمل نقوشا صخرية ومواقع تعود إلى فترات ما قبل التاريخ.
وفي حوار نشرته Médias24 مع الباحثة المغربية عائشة أوجع حول التنوع الأثري بإقليم أوسرد، أشارت الباحثة إلى توثيق 34 مقبرة تضم 1736 معلما جنائزيا من أنواع مختلفة، مع تغطية نحو 62 في المائة من مساحة الإقليم بأعمال الجرد في ذلك الوقت. وتعني هذه المعطيات أن الأرقام تعكس حصيلة البحث المنجز، وليست بالضرورة جردا نهائيا لجميع المواقع الأثرية.
وتساعد هذه المنشآت والنقوش على دراسة أنماط عيش السكان الذين استقروا في المنطقة أو عبروا منها خلال فترات تاريخية مختلفة، كما تتيح للباحثين تتبع تطور العمارة الجنائزية وبعض مظاهر الحياة والبيئة القديمة في الصحراء.
أم الرواكن.. موقع أثري مسجل ضمن التراث الوطني
من المواقع البارزة في الإقليم موقع النقوش الصخرية أم الرواكن، الواقع في المجال الترابي لجماعة أوسرد. وقد أعلنت وزارة الثقافة تقييده ضمن قائمة التراث الأثري الوطني سنة 2020، بالنظر إلى قيمته التاريخية والعلمية.
ويمكن الاطلاع على التفاصيل في البلاغ الرسمي لوزارة الثقافة حول تقييد موقع النقوش الصخرية «أم الرواكن» ضمن الآثار الوطنية، المنشور في 10 مارس 2020.
وتتميز النقوش الموجودة بالموقع بتنوع موضوعاتها، إذ تتضمن تمثيلات لحيوانات ومشاهد تحيل على فترات مختلفة من تاريخ المنطقة، من بينها رسوم مرتبطة بتدجين الحيوانات وأخرى تشير إلى مراحل لاحقة عرفت ظهور الأدوات والأسلحة المعدنية، بحسب ما ورد في تقديم الوزارة للموقع.
ولا تكمن أهمية أم الرواكن في كونه موقعا أثريا منفردا فحسب، بل في كونه جزءا من رصيد أوسع من المقابر والمنشآت الجنائزية والنقوش الصخرية المنتشرة في المجال الصحراوي، ما يجعل حماية هذه المواقع وتوثيقها أمرا أساسيا لصون الذاكرة التاريخية للمغرب.
الكركرات.. معبر ذو أهمية تجارية وإقليمية
يرتبط اسم إقليم أوسرد أيضا بمعبر الكركرات، الذي يشكل نقطة عبور برية مهمة في حركة النقل والتبادل التجاري بين المغرب وموريتانيا، ومنها نحو أسواق في إفريقيا جنوب الصحراء.
وتمنح هذه الوظيفة الإقليم بعدا اقتصاديا يتجاوز النشاط المحلي، إذ ترتبط حركة العبور بالنقل البري والخدمات اللوجستية والأنشطة التجارية، فضلا عن الخدمات التي يحتاج إليها السائقون والمهنيون والمسافرون.
كما أن موقع بئر كندوز القريب من المعبر يجعلها نقطة مهمة في محيط هذه الحركة، وهو ما يفسر الاهتمام بتطوير التجهيزات والخدمات والبنية التحتية في المنطقة. غير أن تقييم الأثر الاقتصادي الفعلي يتطلب بيانات حديثة حول حجم حركة العبور والتبادل التجاري والاستثمارات وفرص الشغل.
الطبيعة الصحراوية والحياة الرعوية
تتميز البيئة الطبيعية بإقليم أوسرد بالجفاف واتساع المساحات المفتوحة، مع انتشار الهضاب والتكوينات الصخرية والسهول الصحراوية والغطاء النباتي المتكيف مع ندرة المياه، ومنه أشجار الطلح في بعض المجالات.
وتضم المنطقة أيضا مواقع ذات أهمية بالنسبة إلى دراسة التنوع البيئي والحياة البرية الصحراوية. وقد أبرزت أبحاث حول التراث الطبيعي والأثري للإقليم تنوعا في البيئات والكائنات والنقوش التي تمثل حيوانات كانت تنتشر في المنطقة خلال فترات مناخية سابقة.
وترتبط الحياة المحلية كذلك بالتقاليد الحسانية وأنماط العيش الرعوي، بما في ذلك تربية الإبل والتنقل في المجال الصحراوي. وتمثل هذه المكونات جزءا من الهوية الثقافية للمنطقة، إلى جانب المعارف المرتبطة بالتضاريس والموارد المحدودة وسبل التكيف مع المناخ.
ما أهمية أوسرد بالنسبة إلى التنمية في الأقاليم الجنوبية؟
تتداخل في إقليم أوسرد ثلاثة أبعاد رئيسية: موقع جغرافي قريب من معبر دولي، ومؤهلات مرتبطة بالنقل والخدمات، ورصيد أثري وطبيعي يستحق الحماية والتثمين.
ويتيح تطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية فرصا لتحسين ظروف العيش ودعم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالعبور والتجارة. وفي المقابل، يتطلب اتساع المجال وقلة الكثافة السكانية مراعاة خصوصية المنطقة عند تخطيط الخدمات، خصوصا في ما يتعلق بالنقل والصحة والتعليم والماء الصالح للشرب.
كما يمكن أن يشكل التراث الأثري موردا علميا وثقافيا إذا جرى التعامل معه ضمن برامج توثيق وحماية واضحة، مع تجنب الإضرار بالمواقع أو تحويلها إلى وجهات سياحية من دون توفير شروط المحافظة عليها.
أوسرد.. عمق صحراوي بذاكرة تاريخية غنية
يكشف إقليم أوسرد عن صورة تتجاوز الانطباع المرتبط باتساع الصحراء وبعد المسافات. فهو مجال يحمل ذاكرة أثرية مهمة، ويضم جماعات ترابية ومراكز محلية متباينة، كما يرتبط بمعبر الكركرات وبحركة المبادلات التجارية نحو موريتانيا وإفريقيا جنوب الصحراء.
وتظل الاستفادة من هذه المؤهلات مرتبطة بقدرة مشاريع التنمية على تحسين الخدمات وظروف العيش، وبمواصلة البحث الأثري وحماية النقوش والمواقع الجنائزية، وتوفير بيانات دقيقة ومحدثة تساعد على فهم التحولات السكانية والاقتصادية في الإقليم.

التعاليق (0)