عاد ملف الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش الدبلوماسي من جديد، بعد مشاركة مسؤولين جزائريين رفيعي المستوى في مشاورات دولية استضافتها مدريد برعاية الأمم المتحدة، إلى جانب المغرب وإسبانيا وأطراف أخرى. هذه المشاركة أثارت تساؤلات واسعة حول موقع الجزائر الحقيقي في النزاع، خاصة أنها لطالما أكدت رسمياً أنها “ليست طرفاً مباشراً”.
فهل تعكس هذه الخطوة تحولاً في المقاربة السياسية الجزائرية، أم أنها مجرد تطور تقني في مسار الوساطة الأممية؟
خطاب الحياد في الرواية الجزائرية
لسنوات طويلة، تبنت الجزائر خطاباً ثابتاً يقوم على التأكيد بأنها تدعم ما تعتبره “حق تقرير المصير” فقط، دون أن تكون طرفاً مباشراً في النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
هذا الطرح كان حاضراً بقوة في المحافل الدولية والبيانات الرسمية، حيث قدمت الجزائر نفسها باعتبارها “دولة ملاحِظة” وليست فاعلاً رئيسياً، في مقابل تأكيد المغرب أن الجزائر طرف أساسي بحكم الدعم السياسي والمالي والعسكري الذي تقدمه لجبهة البوليساريو الانفصالية.
ماذا تعني المشاركة في مشاورات مدريد؟
وفق الأعراف الدبلوماسية، فإن المشاركة في المشاورات التي ترعاها الأمم المتحدة عادة ما تقتصر على الأطراف المعنية مباشرة بإيجاد حل سياسي للنزاع. لذلك، يرى متابعون أن حضور الجزائر على طاولة النقاش إلى جانب المغرب وباقي الأطراف يمنحها وضعاً أقرب إلى “الطرف المعني” منه إلى “المراقب”.
هذا التطور يكتسب أهمية خاصة لأنه يأتي في سياق دولي متزايد الدعوة إلى الواقعية السياسية وتحمل جميع الأطراف لمسؤولياتها في تسوية النزاعات الإقليمية.
قراءة في التحول الدبلوماسي
عدد من المحللين يعتبرون أن المرحلة الحالية تشهد انتقالاً من الخطابات الرمزية إلى منطق الحلول العملية. فالمجتمع الدولي، وخصوصاً الأمم المتحدة، بات يفضل إشراك جميع الفاعلين المؤثرين فعلياً في النزاع بدل الاكتفاء بالأدوار الشكلية.
من هذا المنظور، قد تُفهم مشاركة الجزائر على أنها اعتراف ضمني بدورها وتأثيرها في الملف، خاصة أن أي تسوية سياسية مستدامة تظل مرتبطة بتوافق إقليمي أوسع.
انعكاسات على مسار القضية
بالنسبة للمغرب، يعزز هذا التطور الطرح القائل بأن الحل يتطلب انخراطاً مباشراً لكل الأطراف الإقليمية، وليس فقط مناقشات ثنائية أو غير مباشرة. كما يمنح الرباط دعماً إضافياً لرؤيتها القائمة على الواقعية السياسية ومبادرة الحكم الذاتي كحل عملي للنزاع.
في المقابل، يضع هذا الواقع الجديد الجزائر أمام تحدي ملائمة خطابها الرسمي مع ممارستها الدبلوماسية على الأرض.
قد لا تكون مشاورات مدريد حدثاً معزولاً، لكنها تمثل مؤشراً مهماً على تغير في طريقة التعامل الدولي مع ملف الصحراء المغربية. وبين خطاب “عدم الانخراط” والمشاركة الفعلية في المفاوضات، تتضح معالم مرحلة جديدة تقوم على تحميل جميع الأطراف مسؤولية المساهمة في الحل.
وفي ظل هذه التحولات، يبقى المسار السياسي رهيناً بقدرة الفاعلين الإقليميين على تبني مقاربات واقعية تضع الاستقرار والتنمية فوق منطق الصراع المفتعل.

التعاليق (0)