شهدت أسعار الدجاج بالمغرب ارتفاعاً ملحوظاً لتصل إلى 23 درهماً للكيلوغرام، مما زاد من الأعباء المعيشية على الأسر. ويعزو المهنيون هذا الغلاء إلى تراجع العرض نتيجة تقليص المربين لإنتاجهم بعد تكبدهم خسائر فادحة خلال فترات انخفاض الأسعار السابقة، مما أدى إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب. وتتطلب هذه التقلبات المتكررة في قطاع الدواجن تدخلاً لتنظيم السوق وضمان استقرار الأسعار عبر تحسين التنسيق بين حلقات الإنتاج والتوزيع، بما يحمي القدرة الشرائية للمستهلك ويضمن استمرارية المربين.
عادت أسعار الدجاج بالمغرب إلى الارتفاع خلال أكتوبر الجاري، بعدما سجلت تراجعاً خلال الصيف، لتزيد الضغوط على ميزانيات الأسر المغربية التي تعتمد على اللحوم البيضاء بديلاً أقل تكلفة من اللحوم الحمراء.
وبلغ سعر الكيلوغرام الواحد من الدجاج بالتقسيط نحو 23 درهماً في عدد من الأسواق، مع تسجيل مستويات أعلى في بعض المناطق، وفق معطيات وتقارير صحفية منشورة يومي 10 و11 أكتوبر. ويظل السعر متفاوتاً بحسب السوق وتكاليف النقل والتوزيع وظروف البيع.
ولا يقتصر أثر هذه الزيادة على المستهلك وحده، إذ تأتي في سياق تقلبات متكررة يعرفها قطاع الدواجن، بعدما شهدت الأسعار انخفاضاً حاداً خلال الأشهر الماضية، ما تسبب، بحسب مهنيين، في خسائر دفعت بعض المربين إلى تقليص الإنتاج.
لماذا ارتفعت أسعار الدجاج من جديد؟
يربط مهنيون في قطاع الدواجن الارتفاع الحالي بتراجع العرض في الأسواق، نتيجة تقليص عدد من المربين إنتاجهم بعد المرحلة التي انخفضت خلالها أسعار الدجاج إلى مستويات لم تكن تغطي تكاليف الإنتاج لدى بعض الضيعات.
وفي تصريح لموقع «Le360» نُشر في 27 شتنبر، أوضح عبد الخالق المختوم، نائب رئيس الجمعية الوطنية لمنتجي لحوم الدواجن، أن أسعار الدجاج كانت قد تراجعت قبيل عيد الأضحى إلى حدود 6 و7 دراهم للكيلوغرام، وهي مستويات قال إنها تسببت في خسائر للمربين وأثرت على قدرتهم على مواصلة الإنتاج بالوتيرة نفسها.
وبحسب المتحدث، ساهمت هذه الخسائر في تقليص الإنتاج لدى بعض المربين، قبل أن يعود الطلب إلى الارتفاع، ما أدى إلى تراجع التوازن بين العرض والطلب وانعكس على الأسعار النهائية.
وتنسجم هذه المعطيات مع تفسير قدمه محمد أعبود، رئيس الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم، في تصريح لموقع «مدار21» يوم 11 أكتوبر، إذ أرجع الارتفاع إلى تقليص إنتاج الكتاكيت وما ترتب عنه من انخفاض في الكميات المعروضة، معتبراً أن وضعية السوق تحتاج إلى معالجة أعمق. وتظل هذه التفسيرات مواقف مهنية منقولة عن أصحابها، وليست نتائج تحقيق رسمي في أسباب الزيادة.
من الكتكوت إلى السوق.. كيف يتحدد السعر النهائي؟
لا يتحدد سعر الدجاج الذي يدفعه المستهلك انطلاقاً من ثمن البيع داخل الضيعة وحده، بل يمر عبر سلسلة من التكاليف تشمل الكتكوت والأعلاف والأدوية والتلقيح والطاقة، قبل إضافة مصاريف النقل والتوزيع وهوامش البيع.
وكان المختوم قد أوضح، في التصريح نفسه لـ«Le360»، أن الدجاج كان يغادر الضيعات في حدود 16 إلى 17 درهماً للكيلوغرام خلال الفترة التي تناولها التقرير، قبل أن يصل إلى المستهلك بسعر أعلى بعد احتساب تكاليف التسويق والتوزيع.
ويعني ذلك أن الفارق بين سعر البيع داخل الضيعة والسعر بالتقسيط يحتاج إلى قراءة تشمل مختلف حلقات التسويق، بدل اختزال أسباب الغلاء في عنصر واحد. كما أن تحديد مساهمة كل تكلفة في الزيادة الحالية يتطلب بيانات حديثة ومفصلة عن أسعار الأعلاف والكتاكيت والنقل وهوامش الوسطاء.
أسعار مرتفعة رغم ضعف الإقبال
ومن المفارقات التي رافقت موجة الغلاء الحالية أن مهنيين تحدثوا عن ضعف الإقبال على الشراء بالتزامن مع ارتفاع الأسعار، وهو ما يضع السوق أمام وضعية لا يستفيد منها بالضرورة جميع المتدخلين بالقدر نفسه.
فارتفاع السعر قد يضغط على الطلب، خصوصاً لدى الأسر ذات الدخل المحدود، بينما يواجه الباعة والمهنيون بدورهم صعوبة في تصريف الكميات عندما يتراجع الإقبال.
وفي المقابل، قد يؤدي تراجع الإنتاج إلى استمرار ارتفاع الأسعار حتى مع ضعف الطلب، إذا كانت الكميات المتاحة أقل من حاجيات السوق. ويظل تحديد العامل الأكثر تأثيراً رهيناً بتوفر بيانات دقيقة عن الإنتاج والتوزيع والمبيعات في الفترة الحالية.
هل يمكن أن تنخفض أسعار الدجاج خلال الأسابيع المقبلة؟
يرتبط احتمال تراجع الأسعار بمدى استعادة الإنتاج لمستوياته المناسبة وقدرة السوق على تحقيق توازن بين الكميات المعروضة وحجم الطلب.
وكان مهنيون قد تحدثوا في تصريحات سابقة عن إمكانية تحسن العرض خلال أكتوبر، مع استئناف بعض المربين نشاطهم وزيادة إنتاج الكتاكيت، غير أن هذه التوقعات لا تضمن انخفاض الأسعار في موعد محدد، لأن النتيجة ستتأثر بوتيرة الإنتاج الفعلية وتكاليف التربية والنقل ومستوى الاستهلاك.
كما أن دورة تربية الدجاج وتسمينه تحتاج إلى وقت قبل أن تنعكس زيادة إنتاج الكتاكيت على الكميات المتاحة للبيع، وهو ما يجعل استعادة التوازن عملية تدريجية وليست فورية.
ما المطلوب لضمان استقرار أسعار الدجاج؟
تعيد التقلبات الحالية طرح سؤال تنظيم سوق الدواجن، خصوصاً أن الانخفاض الحاد في الأسعار قد يضر بالمربين ويدفع بعضهم إلى تقليص الإنتاج، قبل أن يؤدي نقص المعروض لاحقاً إلى ارتفاع الأسعار على المستهلك.
ويقتضي الحد من تكرار هذه الدورة تحسين التنسيق بين الإنتاج وحاجيات السوق، وتوفير معطيات أكثر انتظاماً حول الكميات المنتجة والأسعار عند مختلف حلقات التسويق، إلى جانب تعزيز الشفافية في تحديد تكاليف الإنتاج والتوزيع.
كما أن مراقبة الأسواق وتوضيح الفوارق بين سعر البيع داخل الضيعة وسعر الجملة والتقسيط يمكن أن يساعدا على فهم تطور الأسعار وتحديد مواضع الاختلال، دون افتراض أن كل زيادة ناتجة عن المضاربة أو أن كل ارتفاع مبرر بتكاليف الإنتاج.
وفي انتظار استقرار السوق، يظل وصول سعر الدجاج إلى نحو 23 درهماً للكيلوغرام في عدد من الأسواق مؤشراً جديداً على الضغط الذي تواجهه القدرة الشرائية للأسر، وعلى الحاجة إلى معالجة تقلبات قطاع الدواجن بما يحقق التوازن بين استمرارية الإنتاج وتوفير اللحوم البيضاء بأسعار مناسبة للمستهلك.
المصادر: هسبريس، 10 أكتوبر 2026، مدار21، 11 أكتوبر 2026، Le360، 27 شتنبر 2026.

التعاليق (0)