الدخول السياسي المقبل بالمغرب.. بين رهانات الانتخابات وأجندة الدولة وصناعة مغرب 2030

علم المغرب آراء علم المغرب

يعد الدخول السياسي المغربي لعام 2026 محطة مفصلية تتجاوز التنافس الانتخابي نحو إعادة ترتيب الأولويات الوطنية استعداداً لأفق 2030. يتطلب هذا المسار حكومة قادرة على مواءمة الأوراش الاستراتيجية الكبرى مع تطلعات المواطنين، وتعزيز الثقة عبر نتائج ملموسة. وفي ظل استمرارية المؤسسة الملكية وتنامي أدوار ولي العهد، يواصل المغرب تعزيز سيادته وقوته الشاملة دبلوماسياً واقتصادياً، مما يضع النخب السياسية أمام اختبار تاريخي لتحويل الرؤية التنموية إلى واقع يرسخ تنافسية المملكة وعدالتها الاجتماعية.

يدخل المغرب خريف سنة 2026 على وقع استحقاق سياسي ومؤسساتي بالغ الأهمية، لا يتعلق فقط بإجراء انتخابات تشريعية جديدة، وإنما بإعادة ترتيب الأولويات الوطنية في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحولات الداخلية مع رهانات إقليمية ودولية متسارعة.

وقد حُدد موعد انتخاب أعضاء مجلس النواب في 23 شتنبر 2026، فيما تمتد الحملة الانتخابية من 10 إلى 22 شتنبر، وهو ما يجعل الدخول السياسي المقبل محطة مفصلية في مسار الانتقال من تدبير المرحلة إلى الاستعداد لمرحلة جديدة عنوانها الأبرز: مغرب 2030.

المطلوب، في تقديري، ألا تُختزل هذه الانتخابات في مجرد تنافس حزبي حول المقاعد البرلمانية، بل أن تتحول إلى لحظة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات، واستعادة الثقة في السياسة باعتبارها آلية للإنتاج العمومي، لا مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة.

■ انتخابات لرفع منسوب المشاركة السياسية

الرهان الحقيقي في الاستحقاق المقبل ليس فقط في من سيفوز ومن سيخسر، وإنما في حجم المشاركة السياسية والاجتماعية التي ستنتجها الانتخابات.

فالمغرب يحتاج إلى مشاركة واسعة ومسؤولة، وإلى جيل جديد من المنتخبين القادرين على الانتقال من خطاب الوعود إلى منطق النتائج، ومن تدبير الزمن الانتخابي إلى تدبير الزمن التنموي.

وقد بدأت الدولة بالفعل في تهيئة الإطار التنظيمي والمؤسساتي للاستحقاق، بما في ذلك تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات واللجان الترابية، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية المتعلقة بضمان حسن سير العملية الانتخابية.

ومن هنا فإن الانتخابات المقبلة ينبغي أن تكون مناسبة لفرز نخب سياسية أكثر كفاءة، وأكثر ارتباطا بالمجتمع، وأكثر قدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية التي يعرفها المغرب.

■ من حكومة تدبير المرحلة إلى حكومة المغرب الصاعد

بعد الانتخابات، سيكون التحدي الأكبر هو طبيعة الحكومة التي ستفرزها المؤسسات المنتخبة.

المغرب يحتاج إلى حكومة توحّد السرعتين: سرعة الأوراش الاستراتيجية الكبرى التي تنفذها الدولة، وسرعة الاستجابة للحاجات اليومية للمواطن.

حكومة قادرة على الربط بين الاستثمار في البنية التحتية وبين الاستثمار في الإنسان؛ بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية؛ بين جاذبية المغرب للمستثمرين وتحسين شروط العيش للمواطنين.

وهنا تبرز ملفات الصحة والتعليم والسكن والتشغيل ومحاربة البطالة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية باعتبارها ليست ملفات قطاعية منفصلة، وإنما عناصر أساسية في معادلة الثقة بين المواطن والدولة.

إن حكومة المغرب الصاعد التي تحتاجها المرحلة المقبلة هي حكومة مشاريع ونتائج ومؤشرات قابلة للقياس، وليست حكومة خطابات سياسية.

■ الأجندة الملكية.. استكمال الانتقال إلى مغرب 2030

تأتي هذه المرحلة السياسية في سياق أجندة وطنية واسعة، ترتبط باستكمال عدد من الأوراش الكبرى التي أطلقت خلال السنوات الماضية.

فالمغرب مقبل على استكمال وتطوير بنيته التحتية الاستراتيجية: الموانئ، والمطارات، وشبكة السكك الحديدية، والطرق والمنشآت المرتبطة بالتحول الاقتصادي واللوجستي، بالتوازي مع الاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030.

لكن الرهان يتجاوز البنية التحتية التقليدية.

فالمغرب يعمل على بناء منظومات جديدة في الصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، وصناعة الطيران، والصناعات الدوائية، وغيرها من القطاعات ذات القيمة الاستراتيجية. كما تتزايد أهمية أوراش السيادة الطاقية والمائية والغذائية، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، باعتبارها مكونات أساسية للأمن الوطني بمفهومه الشامل.

وهذا التحول مهم للغاية: فالدولة الحديثة لم تعد تقيس قوتها فقط بحجم اقتصادها أو عدد منشآتها، وإنما بقدرتها على الصمود أمام الأزمات، وتأمين حاجاتها الحيوية، وحماية بنيتها التحتية، وضمان استمرارية سلاسل الإمداد والإنتاج.

■ 2030 ليست سنة رياضية فقط

كأس العالم 2030 يمثل أحد أبرز المواعيد الوطنية المقبلة، لكنه في العمق أكبر من مجرد استحقاق رياضي.

إنه فرصة لتسريع تحديث المدن، والمطارات، والموانئ، والسكك الحديدية، والمنشآت الرياضية، والخدمات السياحية والرقمية، ورفع معايير الحكامة وجودة الخدمات.

وبالتالي فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بالتعامل مع 2030 باعتبارها أفقا تنمويا متكاملا، وليس مجرد موعد لتنظيم بطولة عالمية.

وهنا تحديدا يظهر معنى “مغرب 2030”: مغرب أكثر تنافسية، وأكثر اتصالا بالعالم، وأكثر قدرة على جذب الاستثمار، وأكثر حضوراً في سلاسل القيمة الدولية، مع ضرورة أن ينعكس هذا الصعود على الحياة اليومية للمواطن.

■ الثقة.. المعركة السياسية الأكثر حساسية

قد تكون استعادة الثقة أكبر تحدٍّ أمام الحكومة والطبقة السياسية في المرحلة المقبلة.

الثقة لا تُبنى بالخطاب، وإنما بالنتائج.

المواطن يريد مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر كفاءة، وسكناً لائقاً، وفرصة عمل، وإدارة أكثر سرعة وشفافية، وعدالة مجالية أكبر، وإحساسا بأن التنمية الوطنية تصل إلى مختلف المناطق والفئات.

لذلك فإن الحكومة المقبلة ستحتاج إلى عقد سياسي وأخلاقي جديد مع المجتمع، عنوانه: المسؤولية مقابل الثقة، والإنجاز مقابل الانتظار، والنتائج مقابل الوعود.

■ ولي العهد.. انتقال تدريجي من التكوين إلى تحمل المسؤولية

وفي موازاة إعادة ترتيب المشهد الحكومي والسياسي، يبرز مسار ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن باعتباره أحد عناصر الاستمرارية المؤسساتية للدولة المغربية.

ففي ماي 2026، عيّن صاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، وهي مهمة ذات دلالة مؤسساتية واستراتيجية واضحة.

ويكتسب هذا المسار أهمية إضافية بالنظر إلى الحضور المتزايد لولي العهد في عدد من المناسبات الرسمية والمؤسساتية، بما في ذلك ترؤسه، بتعليمات ملكية سامية، حفل تخرج الفوج السادس والعشرين للسلك العالي للدفاع والفوج الستين لسلك الأركان في يونيو 2026.

كما أن ترؤسه مأدبة الغداء التي أقامها جلالة الملك بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية، بحضور كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، يعكس اتساع دائرة المسؤوليات البروتوكولية والمؤسساتية المسندة إليه.

ولا ينبغي قراءة هذا المسار باعتباره مجرد تراكم لمهام تشريفية، بل باعتباره مسار إعداد مؤسساتي تدريجي يقوم على اكتساب الخبرة، وفهم آليات الدولة، والانفتاح على مختلف مكوناتها، والتفاعل مع المؤسسات المدنية والعسكرية، والاقتراب من قضايا المجتمع والشباب، بما ينسجم مع طبيعة المؤسسة الملكية المغربية القائمة على الاستمرارية والتدرج.

إن انتقال ولي العهد تدريجيا من مرحلة التكوين إلى مرحلة الحضور المؤسساتي الأكثر اتساعاً يمثل، في حد ذاته، أحد مظاهر الاستعداد للمستقبل، دون أن يعني ذلك استباقاً لأي ترتيبات دستورية أو سياسية مستقبلية.

■ الدبلوماسية والسيادة الوطنية في قلب المرحلة المقبلة

أما على المستوى الخارجي، فستظل قضية الوحدة الترابية في صدارة الأجندة الوطنية، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة في المواقف الدولية تجاه مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

وقد أكدت فرنسا، منذ أكتوبر 2024، أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار الذي ترى أنه ينبغي أن تُحل في نطاقه قضية الصحراء، وأن مخطط الحكم الذاتي لسنة 2007 يشكل الأساس للتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومتفاوض بشأنه، وهو تحول دبلوماسي ذي وزن استراتيجي في مسار الملف.

ومن ثم فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالا متزايدا من مرحلة تثبيت الاعترافات والمواقف الدولية إلى مرحلة تعميق ترجمتها السياسية والتنموية والمؤسساتية، مع بقاء أي خطوات تنفيذية محددة مرتبطة بالقرارات الرسمية والمؤسساتية التي تعلنها المملكة.

كما ستظل العلاقات مع القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وإفريقيا، جزءاً من معادلة المغرب الاستراتيجية، خصوصاً في ظل تطور موقع المملكة كفاعل إقليمي وشريك اقتصادي وأمني.

■ برلمان جديد.. وحكومة أمام اختبار التاريخ

افتتاح الدورة البرلمانية المقبلة سيكون، في هذا السياق، أكثر من مناسبة دستورية.

إنه لحظة سياسية جديدة قد تتقاطع فيها نتائج الانتخابات مع تشكيل حكومة جديدة، ومع أجندة ملكية وتنموية كثيفة، ومع استعداد المغرب لاستحقاقات 2030.

ومن هنا فإن الحكومة المقبلة لن ترث فقط ملفات الحكومة السابقة، بل ستتحمل مسؤولية إدارة مرحلة ذات سقف أعلى من التوقعات.

مرحلة تتطلب الانتقال من منطق تدبير الدولة إلى منطق تسريع الدولة؛ ومن معالجة الاختلالات إلى استباق الأزمات؛ ومن تنفيذ المشاريع إلى قياس أثرها الاجتماعي والاقتصادي.

■ المغرب أمام فرصة إعادة ضبط البوصلة

الدخول السياسي المقبل ليس دورة انتخابية عادية.

إنه نقطة تقاطع بين الديمقراطية والتنمية، وبين الاستقرار والإصلاح، وبين السيادة الوطنية والقدرة الاقتصادية، وبين الأوراش الكبرى وانتظارات المواطن.

والرهان الحقيقي ليس فقط على تشكيل أغلبية حكومية جديدة، وإنما على إنتاج حكومة قادرة على مواكبة مغرب صاعد، وعلى تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة، وعلى جعل أفق 2030 مناسبة لترسيخ نموذج تنموي أكثر تنافسية وعدالة واستدامة.

أما الدولة، فقد دخلت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها بناء القوة الشاملة: قوة اقتصادية، وصناعية، وتكنولوجية، وأمنية، وعسكرية، وطاقية، ومائية، وغذائية، ودبلوماسية.

ويبقى التحدي السياسي هو ضمان أن تسير هذه التحولات الكبرى بالسرعة نفسها التي ينتظرها المواطن.

فـمغرب 2030 لن يُبنى بالمشاريع وحدها، وإنما بالمؤسسات القادرة على تحويل المشاريع إلى تنمية، والتنمية إلى ثقة، والثقة إلى مشاركة، والمشاركة إلى قوة وطنية متماسكة.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً