المغرب بين سرعة بناء المستقبل وسرعة وصول ثماره إلى المواطن

علم المغرب آراء علم المغرب

يشهد المغرب طفرة اقتصادية واستراتيجية كبرى بفضل الاستثمارات الضخمة والبنية التحتية المتطورة، لكنها تظل مفصولة عن الواقع الاجتماعي الذي ينتظر انعكاس هذا النمو على التشغيل والدخل والقدرة الشرائية. إن التحدي الوطني القادم يكمن في تقليص الفجوة بين سرعة الإنجازات الاقتصادية وسرعة وصول ثمارها للمواطن، عبر تحويل المشاريع الكبرى إلى فرص عمل حقيقية، وجعل التنمية أداة فعالة لتحسين الحياة اليومية، مما يتطلب حكومة نتائج تسرع الإصلاحات الهيكلية لضمان عدالة اجتماعية ملموسة.

يواصل المغرب بناء تحول اقتصادي واستراتيجي عميق، لكن هذا التحول يكشف في الوقت نفسه عن مفارقة تستحق نقاشا وطنيا هادئا وصريحا : مغربٌ يتقدم بسرعة كبيرة في البنية التحتية والصناعة والاستثمار واللوجستيك والطاقات المتجددة والسياحة، ومغربٌ اجتماعي لا يزال ينتظر أن يشعر بالسرعة نفسها في التشغيل والدخل والسكن والصحة والتعليم والقدرة الشرائية.

هذه ليست مفارقة مصطنعة، وليست إنكارا لما تحقق، بل هي إحدى أهم القضايا التي ينبغي أن تكون في قلب النقاش الوطني خلال المرحلة المقبلة.

فالمؤشرات الاقتصادية تؤكد أن هناك طفرة حقيقية. فقد سجل الاقتصاد المغربي سنة 2025 نمواً قدره 4.9%، وهو من أقوى معدلات النمو خلال نحو عقد، فيما يتوقع البنك الدولي نمواً في حدود 4.2% خلال 2026، مدفوعا بالاستثمار العمومي وانتعاش الفلاحة ودينامية القطاعات غير الفلاحية.

وفي المقابل، تكشف مؤشرات سوق الشغل عن صورة أكثر تعقيدا. فالمندوبية السامية للتخطيط لم تعد تكتفي بقياس البطالة بالمعنى الضيق، وإنما تقيس أيضاً مختلف أشكال عدم الاستعمال الكامل لليد العاملة.

وفي الفصل الأول من 2026 بلغ معدل البطالة 10.8%، بينما بلغ المؤشر المركب لنقص استخدام اليد العاملة 22.5%، مع ارتفاعه إلى 29.2% لدى الشباب بين 15 و24 سنة.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين النمو الاقتصادي والنمو الاجتماعي.

فليس كل نمو يتحول تلقائياً إلى وظائف جيدة، وليس كل استثمار كبير يتحول فوراً إلى ارتفاع ملموس في دخل الأسر. وقد يكون الاقتصاد في مرحلة توسع، بينما يشعر جزء من المجتمع بأن تحسين مستوى معيشته يسير بسرعة أبطأ.

وهذا هو جوهر عبارة «المغرب يسير بسرعتين».

السرعة الأولى تتمثل في المغرب الذي نراه يتغير أمام أعيننا: طنجة المتوسط، الصناعة، السيارات، الطيران، الطاقات المتجددة، الموانئ، الطرق السيارة، السكك الحديدية، السياحة، الرقمنة، الاستثمارات الكبرى والاستعدادات الاستراتيجية لاستحقاقات 2030.

والسرعة الثانية تتمثل في المدرسة العمومية، والمستشفى، والسكن، وفرصة العمل، والدخل، والنقل داخل المدن، والقدرة الشرائية، والإدماج الاقتصادي للشباب والنساء، وتقليص الفوارق بين الجهات والمجالات.

المشكلة إذن ليست أن المغرب لا يتنمى؛ بل إن السؤال الحقيقي هو كيف نجعل أثر التنمية ينتقل بسرعة أكبر من الاقتصاد الكلي إلى الاقتصاد الأسري.
فالمغاربة يريدون أن يروا أثر التنمية يصل إلى جيوبهم.

يريدون أن تتحول المشاريع الكبرى إلى فرص عمل، وأن تتحول الاستثمارات إلى أجور أفضل، وأن تتحول الصناعة إلى شركات وطنية أكثر قوة، وأن يتحول النمو إلى طبقة وسطى أكثر اتساعاً، وأن يجد الشاب طريقاً واضحاً من المدرسة أو الجامعة إلى سوق الشغل.

وهذا ليس مطلباً شعبوياً، بل هو جوهر التنمية المستدامة.

لقد قطع المغرب، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، خلال 27 سنة مسافة استراتيجية كبيرة في إعادة بناء البنية الاقتصادية والمجالية للمملكة. لكن إحدى الإشكالات التي تستحق المعالجة هي الفارق بين سرعة الرؤية الملكية وطول النفس الاستراتيجي من جهة، وسرعة التنفيذ الحكومي والإداري من جهة أخرى.

ولا يعني ذلك اختزال مسؤولية 27 سنة في حكومة واحدة؛ فالحكومات تعاقبت، والظروف الاقتصادية والمناخية والجيوسياسية تغيرت. لكن المساءلة السياسية والمؤسساتية تقتضي أن نسأل دائماً: هل تنتقل التوجيهات الاستراتيجية بالسرعة الكافية إلى سياسات عمومية فعالة؟ وهل تقاس النتائج بما أنجز، أم بما تغير فعلاً في حياة المواطن؟
وهذه النقطة بالذات تكتسب أهمية أكبر اليوم.

فالمرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى المزيد من المشاريع، وإنما إلى رفع إنتاجية الاقتصاد وتوسيع الاستثمار الخاص وتسريع خلق الوظائف وتحسين رأس المال البشري.
والبنك الدولي نفسه يطرح هذه المعادلة بوضوح في إطار شراكته الجديدة مع المغرب للفترة 2026–2035: الانتقال تدريجياً من نموذج يقوده الاستثمار العمومي إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على القطاع الخاص، مع التركيز على خلق وظائف أكثر وأفضل، وتقوية المقاولات، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

كما يرى البنك الدولي أن المغرب قادر، إذا نفذ إصلاحات هيكلية عميقة، على خلق نحو 1.7 مليون وظيفة إضافية بحلول 2035، ورفع الناتج الداخلي الحقيقي بنحو 20% فوق خط الأساس.

وهنا بالضبط ينبغي أن نقرأ التوجيهات الملكية المتراكمة خلال السنوات الماضية.

فالمطلوب ليس التخلي عن المشاريع الكبرى، وإنما جعلها أكثر ارتباطا بالتنمية البشرية. وليس المطلوب الاختيار بين الطريق والمستشفى، أو بين الميناء والمدرسة، أو بين الاستثمار والبنية الاجتماعية؛ بل جعل الاستثمار منتجاً للتشغيل، والتشغيل منتجاً للدخل، والدخل رافعاً لمستوى المعيشة.

كما أن ورش الحماية الاجتماعية، وإصلاح الصحة، وإصلاح التعليم، وتقليص الفوارق المجالية، وتشجيع الاستثمار الخاص، ودعم المقاولات، وتطوير التكوين المهني، والرقمنة، كلها يجب أن تندمج داخل رؤية واحدة عنوانها: تحويل النمو إلى فرص.

فالطفرة الاقتصادية المقبلة لا ينبغي أن تكون مجرد نسخة ثانية من طفرة البنية التحتية؛ بل ينبغي أن تكون طفرة في الإنتاجية والأجور والتشغيل والابتكار والثروة الوطنية.
ومن هنا تكتسب الانتخابات التشريعية المقبلة أهمية خاصة.

المطلوب من الحكومة المقبلة ألا تقدم نفسها فقط باعتبارها حكومة تدبير، وإنما باعتبارها حكومة نتائج.

يجب أن يكون السؤال الانتخابي أكثر دقة من مجرد: من سيحكم؟

السؤال الحقيقي هو: من يستطيع أن يسرع تنفيذ الإصلاحات؟ من يستطيع خلق فرص العمل؟ من يستطيع تحسين المدرسة والمستشفى؟ من يستطيع تخفيف الضغط عن الأسر؟ من يستطيع تحرير الطاقات الاستثمارية للمقاولات؟ ومن يستطيع تحويل الإمكانات الاقتصادية الهائلة التي راكمها المغرب إلى دخل وفرص وأمان اجتماعي؟
المغاربة لا يحتاجون إلى خطاب ينكر المنجز، كما لا يحتاجون إلى خطاب ينكر الاختلالات.

هم يحتاجون إلى واقعية وطنية تقول إن المغرب حقق الكثير، وإن هناك الكثير مما لم يتحقق بعد.

وتلك هي القراءة الأكثر إنصافاً للمرحلة.

لقد نجح المغرب في بناء قاعدة اقتصادية واستراتيجية صلبة، وأصبح أكثر حضوراً في سلاسل القيمة الدولية، وأكثر قدرة على جذب الاستثمارات، وأكثر انفتاحاً على الاقتصاد العالمي. لكن التحدي المقبل سيكون في جعل هذه القوة الاقتصادية أكثر إنتاجاً للعدالة الاجتماعية والفرص والدخل.

إن المغرب لا يحتاج إلى إبطاء سرعته الأولى، بل يحتاج إلى تسريع سرعته الثانية.

وهذه هي المهمة الكبرى للحكومة المقبلة: أن تجعل المسافة بين المشروع الكبير والمواطن أقصر، وبين الاستثمار وفرصة العمل أقل، وبين النمو وتحسن مستوى المعيشة أضيق.

فالتنمية لا تكتمل عندما تُبنى المنشآت فقط، وإنما عندما يشعر المواطن بأن هذه المنشآت غيّرت حياته.

وفي نهاية المطاف، ستظل قوة المشروع الوطني المغربي في قدرته على الجمع بين سرعة بناء الدولة الحديثة وسرعة تحسين حياة المواطن.

وهنا سيكون الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة: ليس كم سيبني المغرب، وإنما كم سيستطيع أن يحول ما يبنيه إلى ثروة وفرص وكرامة اجتماعية يشعر بها المغاربة في حياتهم اليومية.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً