المغرب يطلق ورشة تنموية تاريخية بـ22 مليار دولار لإعادة رسم خريطة العدالة المجالية

المغرب يطلق ورشة تنموية تاريخية مختارات المغرب يطلق ورشة تنموية تاريخية

أعلن المغرب عن إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، في خطوة توصف بأنها تحول عميق في طريقة تدبير المشاريع التنموية على المستوى الوطني. هذه البرامج تأتي بميزانية ضخمة تناهز 210 مليار درهم، أي ما يفوق 22 مليار دولار، موزعة على مدى ثماني سنوات، بهدف إحداث تغيير ملموس في ظروف عيش المواطنين وتقليص الفوارق بين مختلف جهات المملكة.

الرهان الأساسي لهذا الورش بالمغرب لا يقتصر على ضخ الاستثمارات، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة صياغة نموذج التدبير الترابي نفسه، بما يجعله أكثر قربًا من المواطن وأكثر قدرة على تحقيق نتائج واقعية على الأرض.

من التخطيط المركزي إلى الإنصات لاحتياجات الساكنة

من أبرز ملامح هذا الجيل الجديد من البرامج أنه انطلق من مقاربة مختلفة قوامها الإنصات الواسع لانتظارات المواطنين. فقد تم الاعتماد على مشاورات ميدانية موسعة شملت مختلف الفئات والجهات، من أجل تحديد الأولويات الحقيقية في مجالات تعتبر حيوية مثل التشغيل، التعليم، الصحة، الماء، والتأهيل الترابي.

هذا التحول يعكس انتقالًا مهمًا من منطق التخطيط التقليدي إلى منطق يرتكز على الاحتياج الفعلي للساكنة، حيث تصبح السياسات العمومية أكثر ارتباطًا بالواقع المحلي بدل القرارات المركزية المجردة.

هندسة جديدة لتدبير المشاريع الترابية بالمغرب

في مستوى الحكامة، يشهد هذا الورش إعادة هيكلة عميقة لآليات التدبير، من خلال إحداث شركات مساهمة جهوية يرأسها رؤساء الجهات، في خطوة تهدف إلى تجاوز النموذج التقليدي للوكالات الجهوية. هذا التوجه يسعى إلى الجمع بين فعالية القطاع الخاص وضمانات المرفق العمومي، بما يسمح بتسريع إنجاز المشاريع وتحسين جودتها.

هذه الهندسة الجديدة تعكس رغبة في جعل التدبير الترابي أكثر مرونة ونجاعة، مع رفع مستوى المسؤولية على المستوى الجهوي وربط القرار بالتنفيذ بشكل مباشر.

تتبع محكم وتقييم مستمر للأداء

لضمان فعالية هذا الورش، تم إحداث لجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة تتولى المصادقة على البرامج وتتبع تنفيذها ووضع مؤشرات دقيقة لقياس الأثر. كما سيتم اعتماد آلية تدقيق سنوي مشترك بين المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، بهدف تعزيز الشفافية وضمان نجاعة صرف الموارد العمومية.

هذا النظام الرقابي يعكس توجهًا واضحًا نحو ربط التمويل بالنتائج، وليس فقط بإنجاز المشاريع شكليًا، وهو ما يشكل تحولًا مهمًا في ثقافة التسيير العمومي.

نحو تقليص الفوارق وبناء تنمية أكثر عدالة

يرى عدد من الخبراء أن هذا الجيل الجديد من البرامج يمثل انتقالًا من المشاريع القطاعية المتفرقة إلى رؤية مندمجة وشاملة، تهدف إلى تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الجهات بالمغرب. كما أنه يعزز مبدأ الجهوية المتقدمة ويضع التنمية في سياق تكاملي يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل منطقة.

وفي العمق، يسعى هذا الورش إلى إرساء نموذج تنموي أكثر استدامة، تكون فيه النتائج الملموسة في حياة المواطن هي معيار النجاح الحقيقي لأي سياسة عمومية.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً