أثبتت الأحداث الأخيرة في محيط سبتة تحول الاستراتيجية الأمنية المغربية من رد الفعل إلى الاستباق الفعال في إدارة مخاطر الهجرة غير النظامية، وذلك بفضل التنسيق المحكم بين مختلف الأجهزة الأمنية والاعتماد على الرصد الاستخباراتي لتفكيك محاولات العبور الجماعي قبل وقوعها. يعكس هذا النموذج احترافية عالية في ضبط الحدود وحماية الأرواح، مع تأكيد المغرب على سيادته في إدارة مجاله الترابي وتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل في التعامل مع التغطيات الإعلامية الأجنبية.
ما شهدته المنطقة المحيطة بمعبر سبتة المحتلة اليوم السبت 15 غشت، يعكس انتقال المغرب من منطق ردّ الفعل إلى منطق الاستباق الأمني وإدارة المخاطر ميدانيا. فقد مكّن الانتشار الأمني المكثف والمنظم من إحباط محاولة عبور جماعي، في وقت تحدثت فيه مصادر إعلامية عن توقيف مئات الأشخاص، أغلبهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء.
واللافت استراتيجيا هو تكامل الأدوار بين مختلف مكونات الدولة: القوات المسلحة الملكية، الدرك الملكي، الأمن الوطني، القوات المساعدة، الوقاية المدنية، والسلطات العمومية، إلى جانب الوحدات والفرق المختصة في الرصد والاستعلام الأمني. هذا التكامل جعل التعامل مع التهديد منظومة واحدة، تقوم على المعلومة، والانتشار، وضبط المجال، وسرعة التدخل.
لقد شاهدنا اليوم، على أرض الواقع، خطة استباقية لمحاربة الهجرة غير النظامية، لا تكتفي بمنع العبور، وإنما تستهدف تفكيك شروط حدوثه قبل وصول الحشود إلى نقطة الحدود. وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الدعوات إلى العبور الجماعي جرى تداولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما جعل البعد الاستخباراتي والمعلومة المسبقة عنصراً حاسماً في العملية.
ومن منظور أمني واستراتيجي، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل مهاجرين، خصوصاً الفئات الهشة، إلى أداة ضغط بشري على الحدود ودفعهم إلى مواجهات قد تعرض حياتهم للخطر. لذلك فإن إفشال المخطط في مراحله الأولى يمثل أيضاً حماية للأرواح ومنعاً لتحول الحدود إلى مسرح للفوضى.
وهنا لا بد من توجيه التحية والتقدير إلى القوات المسلحة الملكية، الدرك الملكي، الأمن الوطني، القوات المساعدة، الوقاية المدنية، والسلطات العمومية وجميع الفرق والوحدات التي شاركت في هذا التدخل، على اليقظة والانضباط وحسن التنسيق والاحترافية في إدارة موقف شديد الحساسية.
أما على المستوى الإعلامي، فقد اتخذت السلطات المغربية اليوم قرارا يقضي بمغادرة صحفيي وكالة EFE وTVE مدينة الفنيدق أثناء تغطيتهما للتطورات، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسبانية.
وفي القراءة السياسية، يمكن النظر إلى هذه الخطوة في سياق مبدأ المعاملة بالمثل الذي يستحضره المغرب في تعامله مع بعض الممارسات الإعلامية والإجراءات المرتبطة بالتغطية عبر الحدود، مع ضرورة التمييز بين التقييم السياسي للقرار وبين حق الصحافة في أداء وظيفتها المهنية وفق القواعد القانونية والتنظيمية.
ما حدث اليوم في محيط سبتة كان اختبارا حقيقيا للجاهزية الأمنية المغربية، وأظهر أن إدارة الحدود لم تعد تقوم فقط على الحواجز والقوة البشرية، بل على المعلومة، والاستباق، والتنسيق المؤسساتي، وسرعة اتخاذ القرار.

التعاليق (0)