لم يعد الحديث عن سدود المغرب مجرد أرقام دورية تُنشر في نشرات رسمية، بل تحول خلال الأيام الأخيرة إلى عنوان بارز لمرحلة مائية جديدة. فسـدود وادي المخازن، الشريف الإدريسي، النخلة، شفشاون، ابن بطوطة، علال الفاسي، باب لوطة وبوهودة، إلى جانب سد سيدي محمد بن عبد الله، بلغت مستويات ملء قياسية تراوحت بين 80 و100 في المائة، فيما اضطرت السلطات إلى إطلاق المياه من عدد منها تفاديًا لتجاوز طاقتها الاستيعابية.
هذا التحول اللافت في وضعية السدود المغربية لم يأتِ صدفة، بل جاء نتيجة تساقطات مطرية وثلجية استثنائية أعادت الحياة لأحواض مائية كانت تعيش على وقع الإجهاد لسنوات، وفتحت نقاشًا واسعًا حول ما إذا كان المغرب قد دخل فعلاً مرحلة الخروج من الجفاف، أم أننا أمام هدنة ظرفية تفرض حسن التدبير أكثر من أي وقت مضى.
لوكوس وسبو في الصدارة.. حين يستعيد الشمال دوره كخزان مائي
المعطيات الصادرة عن وزارة التجهيز والماء تُظهر أن الانتعاش المائي انطلق بقوة من أحواض استراتيجية، في مقدمتها حوض اللوكوس، حيث بلغت سدود وادي المخازن، الشريف الإدريسي، النخلة، شفشاون وابن بطوطة نسبة ملء 100%.
الأمر نفسه ينطبق على حوض سبو، الذي شهد امتلاء سدود علال الفاسي، باب لوطة وبوهودة، ما جعل هذه الأحواض تنتقل عمليًا من مرحلة “الاستنزاف” إلى مرحلة “الأمان النسبي”، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على الأمن المائي والغذائي.
وزير التجهيز والماء: المغرب خرج رسميًا من وضعية الجفاف
من داخل مجلس النواب، حسم وزير التجهيز والماء نزار بركة الجدل، مؤكدًا أن المغرب تجاوز مرحلة الجفاف التي امتدت لسبع سنوات، بفضل التحسن الكبير في التساقطات المطرية والثلجية.
وأوضح الوزير أن الفترة الممتدة ما بين فاتح شتنبر و12 يناير سجلت 108 ملم من الأمطار، بفائض قدره 95% مقارنة مع السنة الماضية، و17,6% مقارنة مع المعدل الطبيعي، وهي أرقام تسمح، حسب المعايير العلمية، بالقول إن السنة الحالية لم تعد تُصنف كسنة جافة.
الثلوج.. العامل الصامت الذي قلب الموازين
بعيدًا عن الأضواء، لعبت التساقطات الثلجية دورًا حاسمًا في هذا التحول. فقد كشف الوزير أن المساحة المغطاة بالثلوج بلغت في ذروتها أكثر من 55 ألف كيلومتر مربع، مع سماكة وصلت إلى مترين في المناطق الجبلية التي يفوق علوها 2500 متر.
هذه الكتلة الثلجية تُعد خزانًا طبيعيًا مؤجلاً، يساهم في تغذية السدود والفرشات المائية على مدى أشهر، وليس فقط خلال فترة التساقطات.
من 28% إلى 46%.. أرقام تعكس تحولًا حقيقيًا
الأثر المباشر لهذه التساقطات ظهر بوضوح في أرقام ملء السدود، حيث ارتفعت النسبة الوطنية من 28% خلال نفس الفترة من السنة الماضية إلى 46% حاليًا، أي ما يعادل 7.7 مليارات متر مكعب.
كما بلغت الواردات المائية منذ فاتح شتنبر 3.5 مليارات متر مكعب، منها 3.1 مليارات خلال شهر واحد فقط، وهو رقم غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة.
ماذا يعني ذلك للمواطن والفلاحة؟
بعيدًا عن لغة الأرقام، لهذا التحسن انعكاسان مباشران على حياة المغاربة:
- أولاً: تأمين تزويد المدن والقرى بالماء الصالح للشرب، ومنح هامش زمني إضافي يعادل “سنة من ماء الشرب” على الصعيد الوطني، وفق تعبير الوزير.
- ثانيًا: إعطاء دفعة قوية للقطاع الفلاحي، خصوصًا بالمناطق السقوية، وتخفيف الضغط الكبير الذي عانت منه الفرشات المائية الجوفية خلال سنوات الجفاف.
الوفرة لا تعني التراخي.. درس الجفاف ما زال حاضرًا
ورغم هذا التحسن اللافت، شدد وزير التجهيز والماء على أن الخروج من الجفاف لا يعني التخلي عن الخيارات الاستراتيجية، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر، حيث تم إطلاق مشاريع جديدة بالناظور والدريوش وطنجة، مع برمجة محطات أخرى بسوس ماسة، تيزنيت، كلميم، طانطان والرباط.
كما جدد التأكيد على مواصلة مشاريع الربط بين الأحواض المائية، أو ما يُعرف بـ“الطريق السيار للماء”، في إطار رؤية استباقية لمواجهة تقلبات المناخ.
انتعاشة حقيقية… بشرط حسن التدبير
ما يعيشه المغرب اليوم هو انتعاشة مائية حقيقية بالأرقام والمعطيات الرسمية، لكنها تظل مشروطة باستمرار الحكامة، وترشيد الاستهلاك، وعدم السقوط في وهم “نهاية الأزمة”. فسنوات الجفاف علمتنا أن سنوات الوفرة هي اللحظة الحاسمة للتحصين، لا للاطمئنان المفرط.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)