دائماً ما يُقال في كرة القدم إن “مباريات خروج المغلوب” هي الاختبار الحقيقي لمعدن المدربين؛ فهي لا تعترف بالفرص الضائعة، بل بالقدرة على التكيف، وإدارة التفاصيل الصغيرة، وصناعة الفارق من “اللاشيء”. وإذا ما وضعنا حصيلة الناخب الوطني وليد الركراكي تحت مجهر التحليل الرقمي في هذه المباريات الرسمية التسع التي خاضها، سنجد أنفسنا أمام تساؤلات مشروعة تتجاوز العاطفة.
لغة الأرقام: هل يعاني المنتخب من عقم هجومي؟
عندما نتأمل الحصيلة، نجد أن المنتخب المغربي حقق 3 انتصارات فقط في الوقت الأصلي من أصل 9 مواجهات إقصائية. لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق ليس عدد الانتصارات، بل هو “المعدل التهديفي”؛ فخمسة أهداف فقط في 9 مباريات (بمعدل 0.55 هدف للمباراة الواحدة) هو رقم لا يليق بمنتخب يمتلك ترسانة من النجوم ويطمح للتربع على عرش القارة السمراء. هذا العقم الهجومي تجلى في أقسى صوره خلال 240 دقيقة كاملة في المنعطف الأخير من كأس إفريقيا، حيث غابت الحلول تماماً في اللحظات الحاسمة.
العجز عن “الريمونتادا” وإدارة الأزمات
المشكلة لا تكمن فقط في عدم التسجيل، بل في العجز الواضح عن العودة في النتيجة بمجرد أن يسجل الخصم أولاً.
شاهدنا ذلك أمام فرنسا في المونديال، وتكرر السيناريو أمام جنوب إفريقيا، حيث بدت الحلول الهجومية غائبة تماماً وكأن الفريق يسير في نفق مسدود. وحتى عندما تبتسم لنا الفرص، كما حدث في ضربة الجزاء الضائعة أمام جنوب إفريقيا، يغيب “التدبير الذهني” الذي يساعد الفريق على امتصاص الصدمة والعودة للمباراة.
ولعل أكبر دليل على هذا الكلام ما حدث في نهائي كأس أفريقيا الأخير أمام السنغال، حينما ضيع دياز ضربة جزاء التي كانت تساوي اللقب، ورغم أن هذه المواجهة شهدت ضغطا ذهنيا كبيرا على الاعبين قبل بداية المواجهة، بفعل تأثيرات خارجية.
الملف الطبي والتغييرات: علامات استفهام كبرى
لا يمكن قراءة هذه الحصيلة دون التوقف عند إدارة وليد الركراكي لملف “الإصابات والدكة”. ما حدث مع اللاعب الشاب حمزة إغمان يثير الكثير من الجدل حول طريقة تدبير الملف الطبي داخل أسوار “أسود الأطلس”؛ فإقحام لاعب مستدعى وهو يعاني أصلاً من إصابة سابقة، والمخاطرة بمساره الكروي، هو قرار يحتاج للكثير من التفسير، خاصة بعد إصابته البليغة التي قد تحرمه من حلم المونديال.
الأمر لم يتوقف هنا، بل امتد لـ “سوء تدبير التغييرات” الذي وضع الفريق في مواقف محرجة، مثلما حدث أمام السنغال حين أكملنا المباراة منقوصين، لولا تضحية الحارس ياسين بونو الذي تحامل على إصابته لإنقاذ الموقف من سيناريو كارثي كان سيعري غياب الحلول البديلة في مراكز حساسة كحراسة المرمى.
الشجاعة الهجومية هي الحل
إن نجاح وليد الركراكي في بناء منظومة دفاعية حديدية لا ينكره أحد، لكن البطولات الكبرى والمواجهات الإقصائية تتطلب ما هو أكثر من “الانضباط التكتيكي”. نحن بحاجة اليوم إلى “شجاعة هجومية”، وإلى دكة بدلاء جاهزة فعلياً لا صورياً، وقبل كل شيء، إلى قراءة أكثر دقة لنقاط ضعف الخصوم في لحظات الحسم.
مستقبل المنتخب المغربي يتوقف على قدرة وليد الركراكي على “التطور” وتجاوز هذه النقاط السوداء في مساره، فالمشجع المغربي لم يعد يكتفي بالمشاركة، بل أصبح يطالب بالألقاب التي لا تأتي إلا بحسن التدبير والشجاعة في اتخاذ القرار.

التعاليق (0)