تحدد مخرجات المجلس الوزاري أولويات المرحلة المقبلة للمغرب عبر ربط تحسين القدرة الشرائية للمواطنين بتعزيز الإنتاج الاقتصادي، مع التركيز على إصلاح الأسواق وتأهيل قطاعات الصحة والتعليم. كما تبرز استراتيجية جديدة لدعم الشباب تتجاوز البرامج المشتتة نحو مسارات مهنية واضحة، مع تعزيز العدالة المجالية عبر التنمية الترابية، وتأمين الموارد الاستراتيجية كالماء والطاقة. وتضع هذه التوجهات الحكومة الجديدة أمام تحدي تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة توازن بين الطموح الاجتماعي والتوازنات المالية.
تكشف مخرجات المجلس الوزاري، برئاسة جلالة الملك محمد السادس، عن توجه يتجاوز الإعداد المالي لسنة 2027 إلى تحديد أولويات العمل الحكومي في المرحلة الجديدة. فالخيط الناظم لبلاغ الديوان الملكي هو ربط تحسين معيشة المواطن بقدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة، وبقدرة الدولة على تأمين مواردها الاستراتيجية.
أولى الدلالات هي وضع القدرة الشرائية في صدارة الأولويات، مع الجمع بين رفع الدعم الاجتماعي وإصلاح الأسواق والأسعار. وهذا الجمع يعكس إدراكا بأن التحويلات المالية وحدها قد تفقد أثرها إذا استمرت اختلالات السوق. لذلك، سيكون الاختبار في قدرة الحكومة على تحويل الدعم والإصلاح إلى تحسن ملموس في حياة الأسر، بالتوازي مع تأهيل الصحة والتعليم.
الدلالة الثانية تتعلق بالشباب. فالبلاغ لا يكتفي بإعلان برنامج للفترة 2027-2031، بل يقر بمحدودية البرامج القطاعية المتفرقة، ويدعو إلى تتبع المسار من التعليم والتكوين إلى الشغل والسكن. إنها مراجعة لمنهج التدخل العمومي: معالجة الانتقالات التي يتعثر فيها الشباب، بدل الاكتفاء بتعدد المبادرات. ويقتضي ذلك مسؤوليات واضحة ونتائج قابلة للقياس، خصوصا في الإدماج المهني والاستقرار الاجتماعي.
أما تخصيص 25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة، بالتوازي مع إعادة هندسة اختصاصات الجهات وتفعيل اللاتمركز، فيربط العدالة المجالية بإصلاح القرار والتنفيذ. فالموارد لا تكفي حين تتداخل الاختصاصات أو تتعطل المشاريع بين الإدارات. والرهان هو تحويل التمويل إلى خدمات وفرص أقرب إلى المواطن.
وتبرز الدلالة السيادية في جمع الماء والطاقة والغذاء والرقمنة ضمن أولوية واحدة. ويمكن قراءة ذلك باعتباره توجها نحو تقليص مواطن الهشاشة التي قد تتحول، في ظل تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي باقتصاد قوي واستثمار خاص وصناعات جديدة، مع صون التوازنات المالية. وهذه معادلة دقيقة: توسيع الحماية والخدمات دون إضعاف القدرة على تمويلها مستقبلا، وإسناد دور للمقاولات الصغيرة والمتوسطة في توسيع القاعدة الإنتاجية.
بعد تعيين الحكومة الجديدة، تضع هذه التوجهات أمامها مسؤولية تحويل الترابط الاستراتيجي إلى انسجام تنفيذي. فالمصادقة على التوجهات العامة ليست إنجازا للبرامج؛ والاختبار المقبل سيكون في الاعتمادات والتدابير والآجال، ثم في الأثر الفعلي على التشغيل والأسعار والخدمات. ومن هنا، ينبغي أن تنصب متابعة المائة يوم الأولى على تأسيس شروط التنفيذ الجدي، مع التمييز بين القرارات العاجلة والإصلاحات التي تحتاج زمنا أطول.

التعاليق (0)