مقياس ريختر.. كيف تُقاس قوة الزلازل ولماذا لم يعد المقياس الوحيد المعتمد؟

كيف تُقاس قوة الزلازل بالعالم ـ صورة تعبيرية ـ طقس وبيئة كيف تُقاس قوة الزلازل بالعالم ـ صورة تعبيرية ـ

يعد مقياس ريختر، الذي ابتكره تشارلز ريختر عام 1935، علامة فارقة في قياس الزلازل كمياً، لكن طبيعته اللوغاريتمية تجعل الزيادة في درجاته تعبيراً عن تضاعف هائل في الطاقة. ومع تطور العلم، أصبح مقياس العزم الزلزالي هو المعتمد للزلازل الكبيرة لدقته في تقدير حجمها. ومن الضروري التمييز بين مقدار الزلزال الذي يقيس طاقته عند المصدر، وشدة تأثيره التي تعتمد على عوامل كالمسافة ونوعية البناء، حيث لا يعكس الرقم وحده حجم الأضرار المتوقعة، مما يتطلب فهماً أعمق للبيانات العلمية بعيداً عن مجرد الأرقام.

أنا الخبر ـ متابعة

عندما يقع زلزال في أي منطقة من العالم، يتكرر في نشرات الأخبار وصف قوته برقم مثل 4.5 أو 6.2 أو 7 درجات، وغالباً ما يرتبط هذا الرقم باسم مقياس ريختر. لكن ما الذي تعنيه هذه الأرقام فعلياً؟ ولماذا يمكن أن يكون الفرق بين زلزالين لا يتجاوز درجة واحدة كبيراً إلى هذا الحد؟

يرتبط مقياس ريختر باسم عالم الزلازل الأمريكي تشارلز فرانسيس ريختر، الذي وضع سنة 1935 طريقة حسابية لتحديد مقدار الزلازل اعتماداً على الموجات التي تسجلها أجهزة الرصد الزلزالي. وقد ساعد هذا المقياس على تحويل الزلازل من ظواهر توصف بالملاحظة والتقدير إلى أحداث يمكن قياسها ومقارنتها علمياً.

غير أن التطور العلمي كشف لاحقاً عن حدود الطريقة الأصلية، وأصبحت الزلازل الكبيرة تُقاس في الغالب باستخدام مقياس العزم الزلزالي، المعروف اختصاراً بـ Mw، لأنه يقدم تقديراً أكثر موثوقية لحجمها.

ما هو مقياس ريختر؟

مقياس ريختر هو مقياس لوغاريتمي ابتُكر لتحديد مقدار الزلزال، اعتماداً على سعة الموجات الزلزالية المسجلة بواسطة أجهزة قياس الزلازل، مع أخذ المسافة بين محطة الرصد ومركز الزلزال في الحسبان.

طُوّر المقياس في الأصل لقياس الزلازل المحلية في جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة، ولذلك عُرف علمياً باسم مقياس المقدار المحلي (ML)، قبل أن يشتهر لدى الجمهور باسم مقياس ريختر.

وتكمن أهمية المقياس في أنه يمنح العلماء قيمة رقمية تساعد على مقارنة أحجام الزلازل، بدلاً من الاعتماد فقط على ما يشعر به السكان أو ما تسببه الهزة من أضرار في منطقة معينة.

من هو تشارلز فرانسيس ريختر؟

تشارلز فرانسيس ريختر عالم زلازل أمريكي وُلد سنة 1900، واشتهر بتطوير طريقة حساب مقدار الزلازل سنة 1935 خلال عمله في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا.

وجاء تطوير المقياس في سياق الحاجة إلى طريقة موحدة لقياس الزلازل التي كانت تسجلها محطات الرصد في جنوب كاليفورنيا، حتى يتمكن العلماء من مقارنة الأحداث الزلزالية وفق معيار كمي واضح.

ولم يكن ريختر يعمل بمعزل عن بقية الباحثين؛ فقد ارتبط تطوير علم قياس الزلازل أيضاً بأعمال العالم بينو غوتنبرغ، الذي ساهم في تطوير العلاقات العلمية المستخدمة في دراسة الزلازل ومقاديرها.

تشارلز فرانسيس ريختر تشارلز فرانسيس ريختر، العالم الذي ارتبط اسمه بمقياس مقدار الزلازل.

تشارلز فرانسيس ريختر تشارلز فرانسيس ريختر، العالم الذي ارتبط اسمه بمقياس مقدار الزلازل.

لماذا سُمي المقياس باسم ريختر؟

اشتهر المقياس باسم ريختر لأن تشارلز ريختر كان صاحب الطريقة الأصلية التي طُورت لقياس الزلازل المحلية، ولأن اسمه ارتبط بنشرها واستخدامها في الأبحاث العلمية.

لكن الصورة التاريخية أكثر دقة من اعتبار المقياس إنجازاً فردياً منفصلاً عن بقية العلماء؛ فقد ساهمت أبحاث غوتنبرغ وغيره من الباحثين في تطوير علم الزلازل ومقاييسه.

أما سبب استمرار اسم ريختر في التداول حتى اليوم، فيعود إلى انتشاره الواسع في الكتب ووسائل الإعلام، حتى أصبح تعبيراً مألوفاً لدى الجمهور عند الحديث عن قوة الزلازل، رغم أن المقاييس العلمية المستخدمة حالياً أكثر تنوعاً.

كيف يعمل مقياس ريختر؟

تعتمد الطريقة الأصلية على تسجيل الموجات الزلزالية وتحليل سعتها، ثم تطبيق حسابات تراعي المسافة بين محطة الرصد والزلزال. وكلما ارتفعت سعة الموجات المسجلة، ارتفع المقدار المحسوب للزلزال.

لكن النقطة الأهم هي أن مقياس ريختر ليس مقياساً خطياً؛ أي إن الانتقال من رقم إلى الرقم الذي يليه لا يعني زيادة بسيطة وثابتة في القوة.

فبسبب طبيعته اللوغاريتمية، تعادل الزيادة بدرجة واحدة زيادة بنحو عشرة أضعاف في سعة الموجات المسجلة. أما الطاقة الزلزالية المنبعثة، فتزداد بنحو 32 ضعفاً تقريباً مع كل درجة كاملة.

وهذا يعني أن زلزالاً مقداره 6 درجات لا يُعد أقوى بقليل من زلزال مقداره 5 درجات؛ بل إن سعة الموجات المسجلة تكون أكبر بنحو عشرة أضعاف، والطاقة المنبعثة أكبر بنحو 32 ضعفاً تقريباً.

ولهذا السبب، فإن الفارق الرقمي الذي يبدو صغيراً في تقارير الزلازل قد يعكس اختلافاً كبيراً في حجم الحدث والطاقة المرتبطة به.

ما الفرق بين مقدار الزلزال وشدة تأثيره؟

من أكثر الأخطاء شيوعاً الخلط بين مقدار الزلزال وشدة الهزات التي يشعر بها السكان. فالمقدار يعبّر عن حجم الزلزال عند مصدره، بينما تصف الشدة التأثيرات التي تُلاحظ في موقع معين، مثل اهتزاز المباني أو سقوط الأجسام أو حدوث أضرار.

ولذلك، فإن الزلزال الواحد له مقدار محدد وفق المقياس المستخدم، لكنه قد يُشعر به بدرجات مختلفة من الشدة في مناطق متعددة.

وتتأثر الشدة بعدة عوامل، من بينها المسافة عن مصدر الزلزال، وعمق البؤرة، وطبيعة التربة، ونوعية المباني ومدى مقاومتها للهزات الأرضية.

فقد يشعر سكان منطقة قريبة من الزلزال باهتزاز قوي، بينما يشعر سكان منطقة أبعد بهزة خفيفة، حتى لو كان الحديث عن الحدث الزلزالي نفسه.

وتُستخدم مقاييس خاصة لوصف شدة الاهتزاز وتأثيراته، من بينها مقياس ميركالي المعدل، الذي يعتمد على الآثار الملحوظة في الأشخاص والمباني والبيئة، وليس على مقدار الزلزال وحده.

لماذا لم يعد مقياس ريختر كافياً لجميع الزلازل؟

على الرغم من أهميته التاريخية، فإن مقياس ريختر الأصلي صُمم لظروف محددة تتعلق بنوع أجهزة الرصد والمسافات التي تقيسها. ومع تطور شبكات الرصد الزلزالي وانتشار المحطات حول العالم، ظهرت الحاجة إلى مقاييس تستطيع التعامل مع نطاق أوسع من الزلازل.

ومن أبرز حدود المقياس الأصلي أنه لا يميز بدقة كافية بين الزلازل الكبيرة جداً، إذ يمكن أن تتشابه القيم المسجلة رغم وجود اختلافات كبيرة في الحجم الحقيقي للأحداث الزلزالية.

ولهذا السبب، يعتمد العلماء اليوم في معظم الزلازل الكبيرة على مقياس العزم الزلزالي (Mw)، الذي يستند إلى خصائص فيزيائية مرتبطة بالصدع الذي تحرك، ومساحة الجزء الذي انزلق منه، ومقدار الإزاحة التي حدثت أثناء الزلزال.

ويتيح هذا المقياس تقديراً أكثر اتساقاً لحجم الزلازل عبر نطاق واسع من المقادير، ولذلك أصبح المرجع الأساسي في كثير من التقارير العلمية الحديثة.

ولا يعني ذلك أن مقياس ريختر اختفى تماماً؛ فما زالت قيمة المقدار المحلي (ML) تُستخدم في بعض الحالات، خصوصاً عند رصد الزلازل الصغيرة محلياً. لكن عندما تعلن الجهات العلمية عن زلزال كبير، فإن الرقم المنشور يكون غالباً محسوباً بمقياس العزم الزلزالي، وليس بمقياس ريختر الأصلي.

ويمكن قراءة المزيد عن هذا التحول عبر شرح هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية للفروق بين مقياس ريختر ومقياس العزم الزلزالي.

هل يحدد مقياس ريختر حجم الأضرار المتوقعة؟

لا يمكن الاعتماد على مقدار الزلزال وحده لتحديد حجم الأضرار. فحتى الزلازل ذات المقدار نفسه قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تبعاً لعمق البؤرة، والمسافة عن المناطق المأهولة، وطبيعة التربة، وجودة البناء ومدى الالتزام بمعايير مقاومة الزلازل.

كما أن الزلزال القوي في منطقة قليلة السكان قد يخلّف أضراراً محدودة نسبياً، في حين يمكن لهزة أقل مقداراً أن تتسبب في خسائر كبيرة إذا وقعت قرب تجمعات سكانية ذات مبانٍ غير مقاومة للهزات.

لذلك، تعتمد تقييمات المخاطر الزلزالية على مجموعة من المعطيات العلمية والهندسية، ولا تقتصر على الرقم الذي يظهر في عنوان الخبر.

كيف نقرأ أرقام الزلازل في الأخبار؟

عند متابعة خبر عن هزة أرضية، من المفيد الانتباه إلى ثلاثة عناصر أساسية: مقدار الزلزال، وعمق بؤرته، وموقعه بالنسبة إلى المناطق المأهولة.

كما ينبغي التمييز بين التقديرات الأولية التي تصدر عقب الهزة والنتائج التي قد تُحدّثها مراكز الرصد بعد تحليل مزيد من البيانات. وقد تختلف القيم المنشورة قليلاً بين الجهات العلمية بسبب اختلاف طرق الحساب والبيانات المتاحة، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تناقض في رصد الحدث.

ومن المهم أيضاً عدم تفسير كل زيادة في المقدار باعتبارها زيادة بسيطة في القوة؛ فالمقاييس اللوغاريتمية تجعل الفرق بين الدرجات أكبر بكثير مما قد توحي به الأرقام وحدها.

مقياس ريختر.. من اختراع تاريخي إلى فهم أدق للزلازل

أسهم مقياس ريختر في إحداث تحول مهم في دراسة الزلازل، لأنه أتاح قياس مقدارها بطريقة كمية ساعدت العلماء على المقارنة بين الأحداث الزلزالية وفهم خصائصها.

لكن تطور أجهزة الرصد وطرق التحليل كشف عن الحاجة إلى مقاييس أكثر دقة وملاءمة للزلازل الكبيرة، وهو ما جعل مقياس العزم الزلزالي الخيار الأكثر اعتماداً في هذا المجال.

وبذلك، فإن اسم ريختر ما زال حاضراً بقوة في الوعي العام، لكن فهم الأخبار الزلزالية اليوم يتطلب معرفة الفرق بين مقدار الزلزال وشدة تأثيره، والانتباه إلى المقياس الذي اعتمدته الجهة العلمية في تحديد قوته.

المصادر العلمية: هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، ومراجعها الخاصة بمقدار الزلازل والطاقة المنبعثة وشدة الاهتزاز.

التعاليق (1)

اترك تعليقاً

    تعليقات الزوار تعبّر عن آرائهم الشخصية، ولا تمثّل بالضرورة مواقف أو آراء موقع أنا الخبر.
  1. Rachid -

    جميل جدا هادا