من السدود إلى التحلية.. المغرب يطلق مرحلة جديدة لحماية الماء وإنتاج الطاقة

المغرب يطلق مرحلة جديدة لحماية الماء ـ صورة تعبيرية ـ مختارات المغرب يطلق مرحلة جديدة لحماية الماء ـ صورة تعبيرية ـ

يتبنى المغرب استراتيجية متكاملة للأمن المائي تتجاوز الاعتماد على السدود والأمطار، عبر دمج تحلية مياه البحر، ونقل المياه بين الأحواض، وإعادة استعمال المياه المعالجة، مع تعزيز كفاءة الشبكات. وتبرز في هذا السياق دراسة إمكانية إقامة محطات طاقة شمسية عائمة فوق 12 سداً بحوض سبو، لربط الأمن المائي بالطاقي وتقليص التبخر، بالتوازي مع مشاريع كبرى تستهدف رفع إنتاج المياه المحلاة إلى 1.7 مليار متر مكعب سنوياً بحلول 2030، لضمان استدامة الموارد في ظل التغيرات المناخية.

يتجه المغرب نحو بناء منظومة أكثر تكاملا للأمن المائي، لم تعد تعتمد فقط على السدود والتساقطات المطرية، بل تجمع بين تعبئة الموارد المائية، ونقل المياه بين الأحواض، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه، وإدماج الطاقات المتجددة.

وفي أحدث ملامح هذا التوجه، تبرز دراسة إمكانية إقامة محطات للطاقة الشمسية الكهروضوئية العائمة فوق بحيرات عدد من السدود بحوض سبو، بالتوازي مع تطوير مشاريع كبرى لنقل المياه ورفع إنتاج المياه المحلاة خلال السنوات المقبلة.

الطاقة الشمسية فوق 12 سدا بحوض سبو

تستعد وكالة الحوض المائي لسبو لدراسة إمكانية استغلال المسطحات المائية لعدد من السدود في إنتاج الطاقة الشمسية عبر محطات كهروضوئية عائمة.

وتشمل الدراسة 12 سدا، هي: المنع على وادي سبو، والقنصرة، وولجة السلطان، والوحدة، وسيدي الشاهد، وعلال الفاسي، ومداز، وباب الوطا، وإدريس الأول، وبوهودة، والسهلة وأسفالو.

وتتوزع هذه السدود على عدد من الأقاليم، من بينها القنيطرة والخميسات ووزان ومولاي يعقوب وصفرو وتازة وتاونات.

وبحسب المعطيات المرتبطة بطلب العروض رقم 65/2026/ABHS، فإن العملية تتعلق بدراسة لتقييم فرص استخدام الطاقة الشمسية العائمة على مستوى هذه السدود، بكلفة تقديرية تبلغ 3 ملايين درهم.

وهذا يعني أن المشروع يوجد حاليا في مرحلة الدراسة والتقييم، وأن الانتقال إلى التنفيذ سيظل مرتبطا بنتائج الدراسات التقنية والاقتصادية والبيئية.

لماذا تتجه الأنظار إلى الطاقة الشمسية العائمة؟

تقوم فكرة الطاقة الشمسية العائمة على تثبيت الألواح الكهروضوئية فوق سطح المسطحات المائية، بما يسمح باستغلال مساحة لا تحتاج إلى تخصيص عقاري إضافي لإنتاج الكهرباء.

وفي الحالة المغربية، تكتسب الفكرة أهمية إضافية بسبب إمكانية الجمع بين إنتاج الكهرباء واستغلال البنية المائية القائمة.

كما يمكن أن تساهم تغطية جزء من سطح المسطحات المائية في الحد من تعرض المياه لأشعة الشمس والرياح، وبالتالي تقليص التبخر في ظروف معينة، غير أن حجم هذه الفائدة في السدود المغربية لا يمكن تحديده قبل إنجاز الدراسات الخاصة بكل موقع.

ومن هنا تأتي أهمية الدراسة التي أطلقتها وكالة الحوض المائي لسبو، لأنها ستحدد مدى ملاءمة هذا الخيار لكل سد من السدود المعنية.

800 مليون متر مكعب سنويا عبر الطريق السيار للماء

ولا يقتصر التحول في هندسة الأمن المائي على إنتاج الطاقة فوق السدود، إذ يواصل المغرب تطوير مشاريع نقل المياه بين الأحواض.

وتتضمن المرحلة الثانية من مشروع الربط المائي بين سبو وأم الربيع بنية تمتد لنحو 300 كيلومتر، مع قدرة مرتقبة على نقل ما يصل إلى 800 مليون متر مكعب من المياه سنويا من حوض سبو نحو المناطق التي تحتاج إلى تعزيز مواردها المائية بحوض أم الربيع.

ويأتي هذا المشروع امتدادا للمرحلة الأولى من الطريق السيار للماء، التي ربطت حوض سبو بحوض أبي رقراق، ودخلت الخدمة سنة 2023، وأسهمت في نقل كميات مهمة من المياه نحو محور الرباط والدار البيضاء.

أما المرحلة الجديدة، فتستهدف توسيع هذه الشبكة وربطها بحوض أم الربيع، بما يسمح بتعزيز التضامن بين الأحواض وتوجيه المياه نحو المناطق التي تعرف ضغطا أكبر على مواردها.

التحلية.. مورد مائي يتوسع حتى 2030

وفي موازاة ذلك، أصبحت تحلية مياه البحر أحد المكونات الأساسية في الاستراتيجية المغربية لتنويع مصادر المياه.

وتستهدف المملكة رفع إنتاج المياه المحلاة إلى حوالي 1.7 مليار متر مكعب سنويا بحلول سنة 2030، مع مواصلة إنجاز محطات جديدة وتوسيع المنشآت القائمة.

وتندرج هذه المشاريع ضمن توجه يرمي إلى تقليص الاعتماد على الموارد المائية التقليدية وحدها، خصوصا في فترات الجفاف والضغط على السدود والموارد الجوفية.

كما تتجه مشاريع جديدة إلى الاعتماد على الطاقات المتجددة في تشغيل محطات التحلية، بما يعزز التقاطع بين الأمن المائي والأمن الطاقي.

من السد إلى شبكة مائية متعددة المصادر

وتكشف هذه المشاريع عن تغير في طريقة بناء منظومة الأمن المائي بالمغرب.

فالسدود تظل عنصرا أساسيا في تخزين المياه، لكن المنظومة الجديدة تقوم على مجموعة من المصادر والحلول المتكاملة، تشمل:

  • السدود وتعبئة المياه السطحية.
  • نقل المياه بين الأحواض.
  • تحلية مياه البحر.
  • إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.
  • تحسين مردودية شبكات النقل والتوزيع.
  • إدماج الطاقات المتجددة في المشاريع المائية.

وتؤكد التوجهات المنشورة عبر منصة «الما ديالنا» أن مشاريع الربط بين الأحواض والتحلية وإعادة استعمال المياه تشكل مكونات أساسية في السياسة الوطنية للأمن المائي.

الأمن المائي يلتقي بالأمن الطاقي

اللافت في هذه المرحلة هو أن الماء والطاقة لم يعودا ملفين منفصلين تماما.

فمشروع الطاقة الشمسية العائمة المقترح فوق سدود حوض سبو، إذا أثبتت الدراسات جدواه، يمكن أن يجمع بين استغلال المسطحات المائية لإنتاج الكهرباء والمساهمة في الحد من التبخر.

وفي قطاع التحلية، يمثل الاعتماد على الطاقات المتجددة اتجاها موازيا لتقليص كلفة الطاقة والأثر البيئي لإنتاج المياه.

وبذلك، يتشكل تدريجيا نموذج يقوم على الربط بين موارد الماء والطاقة، بحيث لا ينظر إلى السد أو محطة التحلية أو شبكة نقل المياه باعتبارها منشأة منفصلة، وإنما كجزء من منظومة أوسع لتأمين الموارد.

المشروع الشمسي ما يزال في مرحلة الدراسة

ورغم أهمية فكرة الألواح الشمسية العائمة، فإن المعطى الأساسي الذي ينبغي تسجيله هو أن المشروع بحوض سبو لم يصل بعد إلى مرحلة الإنجاز.

فالطلب الحالي يتعلق بدراسة فرصة استخدام هذه التقنية في 12 سدا، بينما ستحدد النتائج اللاحقة مدى إمكانية الانتقال إلى مرحلة الاستثمار والتنفيذ.

وهذا التدرج مهم، لأن مشاريع الطاقة الشمسية العائمة تحتاج إلى تقييم مجموعة من العوامل، من بينها ملاءمة المواقع، والسلامة، والتأثيرات البيئية، وطرق الربط بالشبكة الكهربائية، وكلفة الاستثمار والصيانة.

المغرب يعيد بناء هندسة الأمن المائي

من خلال الجمع بين السدود والتحلية ونقل المياه والموارد غير التقليدية والطاقات المتجددة، يتجه المغرب نحو منظومة مائية أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة التقلبات المناخية والضغط المتزايد على الموارد.

ويعكس مشروع الطاقة الشمسية العائمة بحوض سبو أحد الأوجه الجديدة لهذا التحول، فيما يمثل نقل ما يصل إلى 800 مليون متر مكعب سنويا بين الأحواض وتوسيع التحلية إلى 1.7 مليار متر مكعب سنويا بحلول 2030 مكونين آخرين في هذه الهندسة.

ويبقى التحدي الأساسي هو ضمان التكامل بين هذه المشاريع، وتحقيق أعلى مردودية ممكنة من كل مصدر، مع الحفاظ على الموارد المائية والبيئية وضمان استدامة الاستثمارات على المدى الطويل.

  • المصدر: منصة «الما ديالنا» التابعة لوزارة التجهيز والماء، ووكالة الحوض المائي لسبو.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً