تتطلب الحكامة الحديثة انتقال الدولة من منطق التدخل الموسمي بعد وقوع الأزمات إلى نهج استباقي يرتكز على الوقاية وتأهيل البنية التحتية الحيوية قبل حلول التقلبات الجوية. إن جوهر الدولة الاجتماعية يكمن في حماية المواطن وتأمين احتياجاته الأساسية وتوفير آليات الإنذار المبكر والتنسيق المؤسساتي الفعال، لضمان جاهزية الدولة في مواجهة المخاطر الطبيعية، مما يحول العمل الحكومي من مجرد إدارة ظرفية للأزمات إلى سياسة عمومية مستدامة تضع سلامة المواطن وكرامته في صلب أولوياتها.
تدخل الحكومة المقبلة مرحلة لا تحتمل الانتظار إلى حين وقوع الأزمات. فالحكامة الحديثة لا تقاس فقط بقدرة الدولة على التدخل بعد وقوع الكارثة، وإنما بقدرتها على توقع المخاطر والاستعداد لها واتخاذ التدابير الوقائية قبل أن تتحول التقلبات الطبيعية إلى أزمات اجتماعية وإنسانية.
ومع اقتراب فصلي الخريف والشتاء، بما يحملانه عادة من أمطار غزيرة وتساقطات ثلجية وعواصف رعدية وانخفاض حاد في درجات الحرارة، فإن الاستباق يجب أن يتحول إلى سياسة عمومية واضحة، لا إلى رد فعل موسمي.
المطلوب أولا هو تأهيل البنية التحتية الأكثر عرضة للأضرار، خصوصا الطرق والقناطر وشبكات تصريف مياه الأمطار والمرافق الحيوية بالمناطق القروية والجبلية، مع تحديد النقاط السوداء والتدخل فيها قبل بداية الأحوال الجوية الصعبة.
والمطلوب ثانيا وضع تصور وطني ومحلي للاستباق، يقوم على الإنذار المبكر، والتنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات، وتحديد المسؤوليات ومراكز التدخل، حتى لا يجد المواطن نفسه في مواجهة العزلة أو البرد أو الفيضانات دون جواب مؤسساتي سريع.
وفي قلب هذه السياسة يجب أن يكون المواطن أولوية. لذلك ينبغي تعزيز حملات التوعية والتحسيس، وإخبار السكان بمخاطر التقلبات الجوية وسبل الوقاية، مع إيلاء عناية خاصة للأطفال وكبار السن والأشخاص في وضعية هشاشة وسكان المناطق النائية.
أما المناطق الجبلية والثلجية، فتحتاج إلى استعداد خاص. فمواجهة البرد القارس لا تبدأ عندما تنخفض درجات الحرارة، وإنما قبل ذلك بأسابيع، عبر تهيئة مراكز الإيواء وتجهيزها، وتأمين وسائل التدفئة والأغطية والمواد الأساسية، وضمان جاهزية فرق التدخل والإغاثة.
كما أن الدعم الاجتماعي في مثل هذه الظروف يجب ألا يكون ارتجاليا. ينبغي تحديد الفئات والمناطق الأكثر تعرضا للهشاشة مسبقا، وتجهيز آليات التدخل حتى تصل المساعدة في الوقت المناسب، لا بعد تفاقم الوضع.
هذه ليست مجرد إجراءات تقنية مرتبطة بالطقس؛ إنها اختبار حقيقي لمفهوم الدولة الاجتماعية.
فالدولة الاجتماعية لا تعني فقط تقديم الدعم بعد وقوع الضرر، وإنما تعني حماية المواطن قبل وقوعه، والاستثمار في الوقاية، وتأهيل البنية التحتية، والاستعداد للمخاطر، وتحمل المسؤولية السياسية والإدارية كاملة.
الحكومة المقبلة مطالبة إذن بأن تنتقل من منطق “التدخل عند الأزمة” إلى منطق “منع الأزمة وتقليص آثارها”. وهذا هو الفارق بين إدارة ظرفية للأزمات وحكامة استباقية قادرة على حماية المجتمع.
المواطن لا يحتاج إلى بيانات بعد وقوع الكارثة؛ يحتاج إلى دولة كانت مستعدة قبلها.

التعاليق (0)