جددت الحكومة الموريتانية تأكيد موقفها من قضية الصحراء المغربية، القائم على ما تصفه بـ«الحياد الإيجابي التام»، في وقت تعرف فيه القضية تطورات دبلوماسية وأممية متسارعة، عقب تعثر مجلس الأمن الدولي في تجديد ولاية بعثة المينورسو ودخولها مرحلة التصفية والانسحاب من المنطقة
وجاء الموقف الجديد على لسان محمد ولد ببانه، وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية، خلال مؤتمر صحفي عقده مساء الأربعاء 4 نونبر 2026، عقب اجتماع مجلس الوزراء، حيث أكد أن بلاده تتابع عن كثب التطورات التي تشهدها المنطقة، ولا سيما المستجدات المرتبطة بحدودها والدول المجاورة لها.
وأوضح المسؤول الموريتاني أن موقف نواكشوط من النزاع لم يطرأ عليه أي تغيير، مشدداً على أن بلاده تعتبر نفسها جزءاً من الحل وليست جزءاً من المشكلة، وأن سياستها تقوم على الحياد الإيجابي والابتعاد عن الاصطفاف مع أطراف النزاع.
الناطق باسم الحكومة الموريتانية: موقفنا لم يتغير
وفي رده على الأسئلة المتكررة بشأن موقف موريتانيا من قضية الصحراء، أكد ولد ببانه أن اختلاف صيغ الأسئلة لا يعني اختلاف المواقف، مشيراً إلى أن الحكومة سبق أن أوضحت توجهها الدبلوماسي في هذا الملف، وأنها مستمرة في النهج نفسه.
وأضاف أن موريتانيا تتابع بدقة التطورات على امتداد حدودها مع الدول المجاورة، في إشارة إلى الأهمية التي توليها نواكشوط للانعكاسات الأمنية والسياسية المحتملة لما يجري في محيطها الإقليمي.
وتأتي هذه التصريحات لتؤكد تمسك موريتانيا بالصيغة الدبلوماسية التي تعتمدها منذ سنوات في التعامل مع قضية الصحراء، والتي تقوم على إعلان الحياد مع التأكيد على الرغبة في المساهمة في التوصل إلى تسوية سياسية.
لماذا يكتسي الموقف الموريتاني أهمية بالنسبة للمغرب؟
تكتسي التصريحات الموريتانية أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى الموقع الجغرافي والاستراتيجي لموريتانيا، باعتبارها دولة مجاورة للأقاليم الجنوبية للمملكة، وشريكاً أساسياً للمغرب في عدد من الملفات الاقتصادية والتجارية والأمنية المرتبطة بمنطقة غرب إفريقيا والساحل.
كما أن استقرار العلاقات بين الرباط ونواكشوط يظل عاملاً مهماً في تعزيز المبادلات التجارية وتطوير الربط البري والتعاون الإقليمي، خصوصاً عبر معبر الكركرات الذي يشكل شرياناً حيوياً لحركة التجارة بين المغرب وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء.
وفي ظل التحولات التي يعرفها ملف الصحراء، تتابع الرباط مواقف دول الجوار باعتبارها جزءاً من البيئة الإقليمية المؤثرة في مسار التسوية، خاصة أن المغرب يواصل الترافع عن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الحل الذي يطرحه لإنهاء النزاع.
موريتانيا أمام مرحلة إقليمية دقيقة بعد تطورات المينورسو
ويأتي تجديد نواكشوط موقفها في سياق إقليمي جديد، عقب تعثر مجلس الأمن الدولي، يوم 30 أكتوبر الماضي، في اعتماد مشروعي قرارين يتعلقان بتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، بعد استخدام الولايات المتحدة وروسيا حق النقض ضد مشروعي القرارين المتنافسين.
وعلى إثر ذلك، دخلت بعثة المينورسو مرحلة التصفية والانسحاب، وهو تطور يطرح تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة وانعكاساتها على الوضع الأمني والسياسي في المنطقة.
وتجد موريتانيا نفسها معنية بهذه التطورات بحكم حدودها الجغرافية مع المنطقة، فضلاً عن ارتباط استقرارها الأمني والتجاري بما تشهده منطقة الساحل وشمال غرب إفريقيا من تحولات.
وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام موريتانية دعوات وجهتها سلطات محلية إلى سكان ومربين ورعاة في المناطق الحدودية لتوخي الحذر والابتعاد عن المناطق الحساسة، والعودة إلى الأراضي الموريتانية عند الاقتضاء.
وتعكس هذه التحركات حجم الاهتمام الموريتاني بتداعيات المرحلة الجديدة، في ظل مخاوف من أي تطورات قد تؤثر على أمن الحدود وحركة الأشخاص والأنشطة الاقتصادية.
الحياد الموريتاني.. موقف ثابت أم توازنات إقليمية؟
رغم تجديد الحكومة الموريتانية تأكيد الحياد الإيجابي، فإن هذا الموقف لا يمثل تحولاً جديداً في توجه نواكشوط، كما لا يعني تبنيها للموقف المغربي بشأن السيادة على الصحراء.
فموريتانيا سبق أن اعترفت بما يسمى «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» سنة 1984، بعد انسحابها من النزاع سنة 1979، وهو معطى تاريخي يظل ضرورياً لفهم طبيعة موقفها الحالي وحدوده.
وفي المقابل، تحرص نواكشوط على الحفاظ على علاقاتها مع المغرب والجزائر، وتجنب الانخراط في اصطفاف قد يؤثر على مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية في المنطقة.
وبالنسبة للمغرب، تظل أهمية المرحلة المقبلة مرتبطة بتعزيز الشراكة مع موريتانيا، وتوسيع التعاون الثنائي، ومتابعة المواقف الدبلوماسية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، في ظل التحولات التي يشهدها الملف على المستوى الأممي والإقليمي.
وبذلك، فإن تصريحات الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية تؤكد استمرار سياسة نواكشوط المعلنة، دون أن تحمل في حد ذاتها مؤشرات على تغيير في موقفها من النزاع، بينما تظل تطورات المرحلة المقبلة عاملاً أساسياً في تحديد طبيعة التفاعلات الإقليمية حول القضية.

التعاليق (0)