يواجه المغرب تحدياً جوهرياً يتمثل في الفجوة بين طموح الرؤى الاستراتيجية الكبرى وبطء تنفيذ السياسات العمومية على أرض الواقع. فرغم قوة المشاريع الوطنية، تعيق البيروقراطية وضعف التنسيق الإداري وغياب الحكامة الفعالة سرعة الإنجاز وأثرها الملموس. إن تجاوز هذه الفجوة يتطلب إصلاحاً جذرياً لمنظومة التدبير العمومي، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتطوير كفاءة المؤسسات لضمان تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى منجزات مستدامة تلامس حياة المواطنين وتواكب التحولات المتسارعة.
يشهد المغرب، خلال العقود الأخيرة، إطلاق أوراش استراتيجية كبرى في مجالات البنية التحتية، والصناعة، والطاقة، والاستثمار، والدبلوماسية، والحماية الاجتماعية، وهي أوراش تعكس رؤية بعيدة المدى تروم تعزيز مكانة المملكة إقليميًا ودوليًا، وترسيخ نموذج تنموي قادر على مواجهة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل واكبت السياسات العمومية والآليات الحكومية بالوتيرة نفسها هذه الرؤية الاستراتيجية؟
من منظور الصحافة التفسيرية، يبدو أن التحدي لم يعد مرتبطًا بإطلاق المشاريع، بقدر ما أصبح مرتبطًا بقدرة الإدارة والقطاعات الحكومية على تحويل الرؤية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فالفارق بين القرار الاستراتيجي والتنفيذ الميداني يظل، في كثير من الحالات، أحد أبرز الإشكالات التي تواجه تدبير الشأن العام.
لقد أظهرت تجارب متعددة أن وتيرة الإنجاز الحكومي لم تكن دائمًا في مستوى سرعة التحولات التي تفرضها المشاريع الاستراتيجية الكبرى. فالتأخر في إصدار النصوص التطبيقية، وتعقيد المساطر الإدارية، وبطء اتخاذ القرار، وضعف التنسيق بين القطاعات، ومحدودية التواصل المؤسساتي، كلها عوامل أثرت في تنزيل عدد من السياسات العمومية، وأضعفت الأثر المنتظر منها.
كما أن استمرار بعض مظاهر البيروقراطية، واختلالات الحكامة، ووجود ممارسات ريعية أو شبهات فساد في بعض القطاعات، ينعكس سلبًا على فعالية البرامج العمومية، ويؤثر في ثقة المواطنين في الإدارة، ويحد من سرعة تحقيق الأهداف التنموية.
ولا يعني ذلك أن الإشكال يكمن في الرؤية الاستراتيجية نفسها، بل إن التحدي الحقيقي يتمثل في منظومة التنفيذ والمتابعة والمساءلة. فنجاح أي مشروع وطني كبير لا يقاس فقط بالإعلان عنه، وإنما بقدرة المؤسسات على إنجازه وفق الآجال المحددة وبأعلى درجات الكفاءة والشفافية.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة تقتضي تطوير الإدارة العمومية، وتسريع وتيرة الإصلاحات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الكفاءة في تدبير السياسات العمومية، حتى يصبح التنفيذ مواكبًا لطموح الرؤية الاستراتيجية، وتنعكس ثمارها بصورة مباشرة على التنمية وجودة الخدمات وتحسين ظروف عيش المواطنين.
إن قوة الرؤية الاستراتيجية تحتاج دائمًا إلى إدارة فعالة، وقرارات سريعة، وحكامة رشيدة، ومؤسسات قادرة على تحويل التوجيهات الكبرى إلى منجزات عملية ومستدامة. فنجاح الدول لا يتحقق بالرؤى وحدها، وإنما بقدرتها على التنفيذ بكفاءة وفعالية، وهو ما يجعل إصلاح منظومة التدبير العمومي أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة.

التعاليق (0)