تعد الخطبة الموحدة في المغرب جزءاً من استراتيجية "تسديد التبليغ" التي تهدف إلى ضبط الحقل الديني وتحصين الأمن الروحي للمملكة. تسعى هذه المبادرة إلى توحيد المرجعية الدينية الوطنية، وحماية المنابر من التوظيف الإيديولوجي، وربط الخطاب بالأخلاق والسلوك الاجتماعي. وبينما تضمن هذه الآلية انسجام الرسالة الدينية وتزامنها عبر ربوع البلاد، يظل التحدي الأبرز هو الموازنة بين مركزية التوجيه ومرونة الخطيب في معالجة القضايا المحلية لضمان استمرارية التأثير والفاعلية.
الخطبة الموحدة في المغرب لا ينبغي فهمها باعتبارها مجرد قرار إداري يتعلق بتوحيد نص يُتلى في مساجد المملكة، بل باعتبارها جزءا من تحول أوسع في تدبير الحقل الديني وإعادة تنظيم وظيفة المسجد والخطاب الديني ضمن ما يسميه المجلس العلمي الأعلى ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية «خطة تسديد التبليغ».
وقد انطلقت الخطة رسميا في يونيو 2024، ثم أصبحت الخطب المقترحة جزءاً أساسياً من آلية التأطير الديني؛ كما أوضح المجلس العلمي الأعلى أن الهدف هو الانتقال من مجرد نقل المعرفة الدينية إلى التأثير في السلوك والعمل والأخلاق اليومية.
واللافت هنا أن الصيغة الرسمية تطورت: ففي البداية أُثير نقاش حول إلزامية الخطبة الموحدة، ثم أعلن المجلس العلمي الأعلى أن خطبة الجمعة المقترحة تُنشر أسبوعياً، وأن للخطباء إمكانية اعتمادها، فيما صرّح وزير الأوقاف في 2024 بأن أكثر من 95% من الخطباء كانوا يأخذون بها طوعاً وفق المعطيات التي قدمها آنذاك.
لماذا الخطبة الموحدة إذن؟
▪︎ أولا، لتحقيق قدر أكبر من الانسجام في الخطاب الديني الوطني. فالمغرب يتوفر على آلاف المساجد، وخطباء متعددين، ومستويات متفاوتة من التكوين، وبالتالي فإن ترك اختيار المواضيع بشكل كامل يمكن أن يؤدي إلى تفاوت كبير في مضمون الخطاب الديني. الخطة الجديدة تسعى إلى توفير مرجعية علمية موحدة للموضوعات الكبرى، مع الحفاظ على دور الخطيب في التبليغ.
▪︎ ثانيا، هناك بُعد يتعلق بـحماية المسجد من التوظيف السياسي والإيديولوجي. فالمنبر في المجتمعات الإسلامية ليس مجرد فضاء للوعظ؛ فهو فضاء شديد التأثير في تشكيل الوعي والقيم. ولذلك فإن الدولة المغربية، منذ سنوات، تتعامل مع تنظيم المجال الديني باعتباره جزءاً من الأمن الروحي والاستقرار المجتمعي. وهذا يفسر أيضاً ارتباط الخطة بالمؤسسة العلمية الرسمية وبإمارة المؤمنين.
ثالثا: تسعى الخطة إلى معالجة ما تعتبره المؤسسة الدينية الرسمية فجوة بين المعرفة الدينية والسلوك الاجتماعي. فالوثائق الرسمية لخطة «تسديد التبليغ» تؤكد أن المقصود ليس مجرد معرفة الأحكام، وإنما أن يتحول الدين إلى استقامة وأخلاق وعمل صالح ومعاملات سليمة.
وهذا يفسر طبيعة المواضيع التي أصبحت تُختار للخطبة. ففي 10 يوليوز 2026 مثلا تناولت الخطبة موضوع «الإسلام دين الجماعة»، وركزت على الوحدة والتعاون ونبذ الفرقة. وفي الأسبوع الموالي تناولت «إمارة المؤمنين ودورها في حماية مصالح الدنيا والدين»، وهو انتقال واضح من موضوع القيم الجماعية إلى تأصيل وظيفة المؤسسة الدينية والسياسية المركزية في النموذج المغربي.
وهنا تظهر الدلالة الأعمق.
فالخطبة الموحدة تعمل على بناء مرجعية دينية وطنية مشتركة: المواطن الموجود في طنجة، والدار البيضاء، وفاس، والراشيدية، والعيون، يمكن أن يستمع في اليوم نفسه إلى الرسالة الدينية العامة ذاتها. وهذا يخلق نوعاً من التزامن الرمزي والروحي بين مختلف مكونات المجتمع.
من منظور علم الاجتماع السياسي، هذه ليست مسألة دينية فقط؛ إنها أيضاً آلية من آليات إنتاج الانسجام الرمزي داخل الدولة.
فحين تكون الرسالة المركزية حول التضامن، والوحدة، والتكافل، واحترام الحقوق، ونبذ العنف والتطرف، فإن المسجد يصبح إحدى المؤسسات التي تساهم في تعزيز المناعة الاجتماعية.
وهذا مهم جداً بالنسبة للمغرب، لأن المملكة اختارت منذ سنوات نموذجاً خاصاً في تدبير المجال الديني يقوم على المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، وإمارة المؤمنين، مع وجود مؤسسة علمية مركزية تتمثل في المجلس العلمي الأعلى.
لذلك فإن توحيد أو تنسيق الخطاب الديني لا يعني بالضرورة أن الدولة تريد أن تجعل جميع الأئمة مجرد قارئين لنص واحد؛ بل إن فلسفة «تسديد التبليغ» المعلنة رسمياً تقوم على بناء خطاب مهيكل وموجه نحو مقاصد محددة، مع إشراك العلماء والأئمة والمرشدين والمرشدات في عملية التأطير.
لكن هناك جانباً آخر يجب ألا نتجاهله.
الخطبة الموحدة تحمل أيضاً مخاطر إذا أُفرط في مركزيتها.
فالخطيب المحلي يعرف خصوصيات مجتمعه: مشكلات الشباب، البطالة، التفكك الأسري، المخدرات، العنف، النزاعات الاجتماعية، وغيرها. ولذلك فإن الخطاب الموحد إذا تحول إلى نص جامد لا يسمح بمراعاة الخصوصيات المحلية قد يفقد جزءاً من قدرته على التأثير.
وهذا بالضبط أحد أسباب الجدل الذي رافق المشروع منذ بدايته؛ إذ رأى بعض المنتقدين أن توحيد الخطبة قد يحد من قدرة الخطيب على اختيار القضايا التي يحتاجها المصلون محلياً، بينما ترى المؤسسة الرسمية أن الأمر يتعلق أساساً بترشيد وظيفة الخطيب وتوفير مضمون علمي مؤطر.
ومن الناحية الاستراتيجية، أرى أن الأهم في التجربة المغربية ليس توحيد الكلمات بقدر ما هو توحيد المرجعية والأهداف.
فالدولة لا تحتاج بالضرورة إلى أن يتحدث كل الأئمة بالطريقة نفسها؛ وإنما تحتاج إلى أن يكون الخطاب الديني العام منسجماً في ثوابته الكبرى: رفض التطرف، حماية الأمن الروحي، ترسيخ الاعتدال، احترام الدولة والمؤسسات، تعزيز التضامن، ومحاربة خطاب الكراهية والانقسام.
وهذا يفسر لماذا تحولت «الخطبة الموحدة» إلى جزء من مشروع أكبر اسمه «تسديد التبليغ»، وليس مشروعاً منفصلاً بذاته.
والدليل أن المجلس العلمي الأعلى نفسه قدم الخطة باعتبارها محاولة لتصحيح مفهوم التدين وربط الإيمان بالعمل والأخلاق والمعاملات، وليس مجرد إنتاج خطب أسبوعية متشابهة.
الخلاصة الاستراتيجية:
الخطبة الموحدة في المغرب هي في جوهرها إحدى أدوات الحوكمة الدينية الناعمة. وظيفتها تتجاوز الوعظ إلى تنظيم المجال الديني، وتوحيد المرجعية، وتقليص احتمالات التوظيف الإيديولوجي للمنبر، وتعزيز الأمن الروحي، وربط التدين بالسلوك الاجتماعي.
ولهذا فإن اختيار يوم الجمعة بالذات ليس عرضياً؛ فالجمعة تجمع ملايين المغاربة في وقت واحد تقريباً، ما يجعل المنبر من أقوى أدوات التواصل الجماعي داخل المجتمع.
وبالتالي يمكن قراءة التجربة المغربية باعتبارها محاولة لبناء «وحدة خطاب ديني مع الحفاظ على وحدة المرجعية»، وليس بالضرورة «إلغاء شخصية الخطيب». والتحدي الحقيقي أمام هذه التجربة هو تحقيق التوازن بين المركزية في المرجعية والمرونة في التبليغ.
وهذا التوازن هو الذي سيحدد في النهاية ما إذا كانت الخطبة الموحدة ستنجح كأداة لإصلاح التدين والسلوك، أم ستتحول إلى مجرد نص أسبوعي متكرر يفقد تأثيره مع الزمن.

التعاليق (0)