الصحراء المغربية.. «احذروا غضب الحليم إذا غضب».. كيف انتقل المغرب من اليد الممدودة إلى الحزم السيادي؟

الملك محمد السادس ـ الصحراء المغربية آراء الملك محمد السادس ـ الصحراء المغربية

يستعرض المقال المسار الاستراتيجي للمغرب في قضية الصحراء منذ 2018، مؤكداً أن نهج الملك محمد السادس جمع بين الصبر الدبلوماسي والحكمة السياسية، مع إبقاء اليد ممدودة للحوار رغم تعنت القيادة الجزائرية. ويوضح الكاتب أن المغرب انتقل بذكاء من مرحلة التدبير إلى الحزم السيادي، مستنداً إلى تراكم المكاسب الدولية وتغيير موازين القوى، مشدداً على أن الصبر الملكي لم يكن ضعفاً بل إعداداً واعياً للمرحلة الراهنة التي تفرض وضوح القرار وحماية السيادة الوطنية في ظل المتغيرات الدولية المتسارعة.

يرسم تتبع مسار قضية الصحراء المغربية منذ سنة 2018 صورة واضحة لنهج ملكي جمع بين الصبر الاستراتيجي والاستشراف السياسي والعمل الدبلوماسي المتدرج. ويؤكد تسلسل الخطابات الملكية والمبادرات الموجهة إلى الجزائر، في تقديري، أن التحولات التي نعيشها اليوم لم تكن وليدة الصدفة، وإنما نتيجة تراكمات سياسية ودبلوماسية قادها جلالة الملك محمد السادس برؤية بعيدة المدى.

لقد تابعت هذا المسار لسنوات، وكنت أقرأ في الخطابات الملكية ما يتجاوز منطوق الكلمات إلى دلالاتها الاستراتيجية. وازددت اقتناعا بأن الملك كان يمنح الحوار فرصته التاريخية، دون أن يجعل مستقبل قضية الصحراء المغربية رهينا لاستجابة القيادة الجزائرية أو حساباتها السياسية.

■ 2018.. عندما اختار الملك الحوار بدل الصراع

في 6 نونبر 2018، وجه جلالة الملك محمد السادس دعوة صريحة إلى الجزائر لإقامة حوار مباشر وصريح، واقترح إحداث آلية سياسية مشتركة للتشاور ودراسة جميع القضايا العالقة، بأجندة مفتوحة ودون شروط أو استثناءات.

كانت المبادرة تعبيرا عن إرادة ملكية لتجاوز خلافات الماضي وفتح صفحة جديدة بين شعبين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك.

وفي تقديري، لم يكن الملك يسعى إلى إعادة فتح الملفات القديمة لتبادل الاتهامات، وإنما إلى تجاوزها بحكمة رجل الدولة الذي يضع مصالح الأجيال المقبلة فوق الحسابات الظرفية.

وعندما انتخب عبد المجيد تبون رئيسا للجزائر في دجنبر 2019، جدد جلالته دعوته إلى بناء علاقات قائمة على الثقة والحوار. غير أن هذه المبادرات لم تفض إلى انطلاق مسار تفاوضي مباشر بين البلدين.

■ 2021.. اليد الممدودة في مواجهة القطيعة

في خطاب العرش بتاريخ 31 يوليوز 2021، أكد جلالة الملك أن استمرار إغلاق الحدود لم يعد له مبرر مقبول، وأن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي تجاوز هذا الوضع.

كما شدد على أن أمن الجزائر واستقرارها من أمن المغرب واستقراره، وأن البلدين أكثر من جارين، بل توأمان متكاملان.

كانت رسالة سياسية وإنسانية بالغة الوضوح: الأجيال الحالية ليست مسؤولة عن خلافات الماضي، لكنها مسؤولة عن استمرارها أو تجاوزها.

غير أن الجزائر أعلنت قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في 24 غشت 2021، ثم إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات المغربية في شتنبر من السنة نفسها.

وهنا بدأت أرى أن القيادة الجزائرية لم تستوعب الدلالات العميقة للمبادرات الملكية، وأنها ظلت تتعامل مع المغرب بمنطق الخصومة، بينما كانت الرباط تطرح الحوار وسيلة لتجاوز الخلافات.

■ قمة الجزائر 2022.. فرصة تاريخية ضائعة للمصالحة

شكلت القمة العربية الحادية والثلاثون، المنعقدة بالجزائر يومي 1 و2 نونبر 2022، فرصة استثنائية كان يمكن أن تفتح نافذة للحوار المغربي الجزائري.

فقد كان جلالة الملك محمد السادس من أوائل القادة الذين أبدوا استعدادهم للمشاركة شخصيا، وأرسل المغرب وفدا تمهيديا للتحضير للحضور الملكي، وفق ما أكده وزير الخارجية ناصر بوريطة.

غير أن أجواء التحضير شابتها توترات، واشتكى الوفد المغربي من ممارسات اعتبرها غير دبلوماسية، قبل الإعلان عن عدم مشاركة جلالة الملك شخصيا، وتكليف بوريطة بتمثيل المملكة.

وأعتقد أن الحضور الملكي، بما يحمله من ثقل سياسي ورمزي، كان سيضع القيادة الجزائرية أمام فرصة واختبار تاريخيين للمصالحة. ولا أستبعد أن يكون تأثير ذلك الحضور المحتمل على المشهد السياسي والإعلامي حاضرا في حسابات بعض دوائر القرار بالجزائر، وإن لم يثبت وجود قرار متعمد لمنعه.

لقد ضاعت، في تقديري، فرصة ثمينة كان يمكن استثمارها لفتح حوار مباشر وهادئ، وربما الشروع في طي صفحة طويلة من الخلافات.

■ من 2020 إلى 2024.. المغرب يغير موازين الدبلوماسية

في موازاة سياسة اليد الممدودة، كان المغرب يراكم مكاسب دبلوماسية غيرت تدريجيا البيئة الدولية المحيطة بقضية الصحراء المغربية.

ففي دجنبر 2020، اعترفت الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء المغربية، ثم تطورت المواقف الألمانية والإسبانية خلال سنتي 2021 و2022 دعما لمبادرة الحكم الذاتي، وفق صيغ دبلوماسية مختلفة.

وفي يوليوز 2024، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية، في تحول سياسي مهم داخل الموقف الفرنسي.

كما تعزز الحضور الدبلوماسي للمملكة بافتتاح قنصليات دول إفريقية وعربية في العيون والداخلة، وتوسع الشراكات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية.

لم تكن هذه التطورات متطابقة قانونيا، لكنها عكست تغيرا ملموسا في موازين الدعم السياسي والدبلوماسي.

وأعتقد أن بعض دوائر القرار في الجزائر أخطأت حين تعاملت مع هذه التحولات باعتبارها مكاسب ظرفية قابلة للتراجع، بدل إدراك أنها جزء من استراتيجية مغربية تراكم نتائجها على المدى الطويل.

■ 11 أكتوبر 2024.. الخطاب الملكي الذي رسم معالم التحول

أعتبر الخطاب الذي وجهه جلالة الملك إلى البرلمان يوم 11 أكتوبر 2024 محطة مفصلية لفهم المسار الاستراتيجي المغربي.

فقد ذكر جلالته بضرورة الانتقال من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير، ومن منطق رد الفعل إلى المبادرة والحزم والاستباق.

كانت هذه الرسالة، بالنسبة إلي، أكثر من توجيه للدبلوماسية الوطنية. لقد كانت إعلانا عن طبيعة المقاربة التي يريد المغرب ترسيخها في الدفاع عن وحدته الترابية.

وأنا مقتنع بأن هذا الخطاب استوجب قراءة متأنية من القيادة الجزائرية، لأنه حدد بوضوح انتقال المغرب من تدبير النزاع ضمن المعطيات القائمة إلى العمل على تغييرها.

لقد كانت الدبلوماسية المغربية تتقدم بخطوات محسوبة، مستندة إلى وضوح الهدف وتراكم الشراكات، بينما بدا لي أن القيادة الجزائرية تواصل الرهان على إطالة أمد النزاع دون مراجعة كافية لموازين القوى المتغيرة.

وهنا يتجلى الفرق بين استراتيجية تستثمر الزمن لتغيير الواقع، ومقاربة تراهن على استمرار الواقع السابق.

■ 2025.. حتى في لحظة الانتصار الدبلوماسي ظلت اليد ممدودة

في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025، جدد جلالة الملك التزامه بسياسة اليد الممدودة تجاه الجزائر، واستعداده لحوار صريح ومسؤول بشأن القضايا العالقة.

وفي يونيو من السنة نفسها، كانت المملكة المتحدة قد أعلنت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساسا واقعيا وذا مصداقية للتوصل إلى حل دائم.

ثم جاء 31 أكتوبر 2025، حين اعتمد مجلس الأمن القرار 2797، الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات، واعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل أحد أكثر المخرجات قابلية للتطبيق، في إطار حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف.

وبعد اعتماد القرار، أعلن جلالة الملك دخول قضية الصحراء المغربية منعطفا تاريخيا، وجدد دعوته إلى الرئيس عبد المجيد تبون لإطلاق حوار أخوي وصادق.

وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أهم سمات القيادة الملكية: الجمع بين تعزيز الموقف السيادي وعدم إغلاق باب المصالحة مع الشعب الجزائري الشقيق.
■ أكتوبر ونونبر 2026.. من الصبر الاستراتيجي إلى الحزم السيادي

شكل يوم 30 أكتوبر 2026 منعطفا جديدا، بعدما أخفق مجلس الأمن في تجديد ولاية بعثة المينورسو، نتيجة الفيتو الروسي ضد المشروع الأمريكي وعدم حصول المشروع الروسي البديل على الأصوات اللازمة لاعتماده.

وبانتهاء الولاية في 31 أكتوبر، توقفت عمليات البعثة وبدأت ترتيبات تصفيتها وانسحابها، مع استمرار المساعي السياسية للأمم المتحدة من أجل تسوية النزاع.

ومن المهم التمييز هنا بين انتهاء مهمة أممية وبين الإنهاء القانوني للنزاع السياسي، الذي لم يصدر بشأنه قرار جديد من مجلس الأمن.

غير أن الدلالة السياسية والمؤسساتية لهذا التحول تظل كبيرة.

وقد جاءت جلسة العمل التي ترأسها جلالة الملك بالقصر الملكي بالرباط في 4 نونبر 2026 لتحدد أولويات المرحلة الجديدة: حماية السيادة والوحدة الترابية، وصيانة الأمن الوطني وطمأنينة المواطنين، ومواصلة التنمية بالأقاليم الجنوبية، وتنظيم انسحاب المينورسو بالتعاون مع الأمم المتحدة، مع احترام الالتزامات الدولية للمملكة.

وهنا أرى أن الرسالة التي حملها خطاب البرلمان سنة 2024 أصبحت أكثر وضوحا في الممارسة: الانتقال من تدبير الوضع القائم إلى التعامل مع المتغيرات الجديدة بمنطق المبادرة والحزم والقرار السيادي.

■ احذروا غضب الحليم إذا غضب

لقد قلت في أكثر من مناسبة: احذروا غضب الحليم إذا غضب.

ولم أقصد بذلك الدعوة إلى التصعيد أو القطيعة، وإنما التنبيه إلى خطورة إساءة قراءة الصبر الملكي واعتبار الحكمة ضعفا أو التروي ترددا.

فالحليم لا يعني الضعيف، واليد الممدودة لا تعني التنازل، والدعوة إلى الحوار لا تعني الاستعداد للمساومة بشأن السيادة الوطنية.

لقد منح جلالة الملك محمد السادس القيادة الجزائرية فرصا متكررة لفتح صفحة جديدة، وظل يميز بين العلاقات الأخوية للشعبين والخلافات السياسية بين الدولتين.

لكن بعض دوائر القرار في الجزائر، في تقديري، أساءت تقدير هذه المقاربة، ولم تستوعب أن المغرب كان يعمل، في الوقت نفسه، على تعزيز موقعه الدبلوماسي وتغيير المعطيات المحيطة بقضيته الوطنية الأولى.

وأعتقد أن الرسائل الملكية منذ 2018، وقمة الجزائر الضائعة سنة 2022، وخطاب البرلمان سنة 2024، والتحولات الأممية خلال سنتي 2025 و2026، تشكل محطات مترابطة لفهم هذه الاستراتيجية.

فالحزم الذي نراه اليوم ليس نقيضا للحكمة التي ميزت السنوات السابقة، وإنما أحد تجلياتها عندما تستدعي الظروف الانتقال من بناء الموقف إلى تثبيت المكتسبات.

■ الآن وقت الجد وتحمل المسؤولية

لقد دخل المغرب، في تقديري، مرحلة تفرض وضوح القرار وتعبئة المؤسسات الوطنية وتعزيز اليقظة الاستراتيجية.

وإذا كانت القيادة الجزائرية قد فوتت فرصا متكررة للحوار، فإن مسؤوليتها التاريخية ما زالت قائمة في إعادة النظر في مقاربتها للعلاقات مع المغرب.

وأميز هنا بوضوح بين الشعب الجزائري الشقيق وبين الاختيارات السياسية لقيادته. فالأخوة بين الشعبين لا ينبغي أن تكون ضحية لاستمرار الخلافات أو استحضار حسابات الماضي.

أما بالنسبة للمغرب، فإن المرحلة تقتضي تثبيت المكاسب الدبلوماسية، ومواصلة التنمية، وتعزيز الحضور المؤسساتي بالأقاليم الجنوبية، والتعامل مع جميع التطورات على أساس السيادة والوحدة الترابية واحترام الالتزامات الدولية.

ولا بد هنا من الإشادة بالدبلوماسية المغربية، الرسمية والبرلمانية والحزبية، وبمختلف المؤسسات التي ساهمت في هذا المسار تحت القيادة الملكية.

■ خلاصة القول.. الصبر كان تدبيرا للمستقبل لا عجزا عن القرار

عندما أعود إلى الخطابات الملكية منذ 2018، وأقارن بين دعوات الحوار، والتحولات الدبلوماسية، وخطاب 11 أكتوبر 2024، وقرار مجلس الأمن سنة 2025، ثم تطورات أكتوبر ونونبر 2026، أزداد اقتناعا بأن جلالة الملك محمد السادس كان يدبر قضية الصحراء المغربية بنفس استراتيجي طويل.

لقد ظل باب الحوار مفتوحا، لكن العمل على تغيير موازين الدبلوماسية لم يتوقف.

ولهذا أقول اليوم، كما قلت من قبل: احذروا غضب الحليم إذا غضب.

فمن يخطئ في قراءة صمت الحكماء، قد يكتشف متأخرا أن الصبر لم يكن عجزا عن اتخاذ القرار، بل كان إعدادا واعيا للحظة التي يصبح فيها الحزم ضرورة، والقرار السيادي عنوانا للمرحلة.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً