أزمة ديزل عالمية في الأفق؟ لماذا قد ترتفع أسعار الوقود حتى لو تراجع النفط؟

أزمة ديزل عالمية في الأفق اقتصاد أزمة ديزل عالمية في الأفق

يواجه العالم خطر أزمة في إمدادات الديزل نتيجة تراجع طاقة التكرير العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد، مما قد يؤدي لارتفاع أسعاره رغم انخفاض سعر النفط الخام. وتعود هذه الحساسية إلى دور الديزل الحيوي في قطاعات النقل والزراعة والصناعة، حيث تضغط التوترات الجيوسياسية وموسم صيانة المصافي على المخزونات العالمية. هذا الوضع يفرض تحديات اقتصادية على الدول المستوردة، إذ لم يعد سعر برميل النفط المؤشر الوحيد لتكلفة الطاقة، بل أصبحت قدرة المصافي على الإنتاج هي الحلقة الأهم في استقرار الأسواق.

بينما يركز كثيرون على سعر برميل النفط باعتباره المؤشر الأساسي لأوضاع أسواق الطاقة، تظهر في الأفق مشكلة مختلفة وأكثر تعقيدا: النفط الخام ليس بالضرورة الحلقة الأكثر هشاشة، بل قدرة العالم على تحويله إلى وقود جاهز للاستهلاك، وعلى رأسه الديزل.

هذا هو جوهر التحذيرات التي أثارها خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، والتي تستحق التوقف عندها. فالمعطيات الصادرة خلال الأيام الأخيرة عن مؤسسات دولية وأسواق الطاقة تشير بالفعل إلى تشدد متزايد في سوق الديزل والمقطرات الوسطى، بفعل تزامن اضطرابات جيوسياسية، وتراجع إنتاج المصافي في مناطق رئيسية، وانخفاض المخزونات، واقتراب موسم الصيانة في عدد من المصافي.

لكن السؤال الأهم هو: هل نحن أمام أزمة ديزل عالمية فعلية، أم مجرد موجة ارتفاع مؤقتة في الأسعار؟

المشكلة لم تعد في النفط الخام فقط

قد يبدو الأمر متناقضا للوهلة الأولى: كيف يمكن أن تنخفض أسعار النفط الخام، بينما ترتفع أسعار الديزل؟

الجواب يكمن في الفرق بين الخام والمنتج النفطي النهائي.

فوجود النفط في الأسواق لا يعني تلقائيا توفر كميات كافية من الديزل أو البنزين أو وقود الطائرات. إذ يحتاج الخام إلى المرور عبر المصافي، وهنا تحديدا تظهر المشكلة.

وكالة الطاقة الدولية أكدت في تقريرها الشهري الصادر في غشت 2026 أن تشغيل المصافي العالمية، رغم ارتفاعه خلال يوليوز، ظل أقل بنحو 5 ملايين برميل يوميا مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. كما أشارت إلى أن اضطرابات صادرات المنتجات النفطية من الشرق الأوسط والهجمات التي استهدفت منشآت التكرير الروسية زادت من الضغط على السوق.

بمعنى آخر، قد يستطيع العالم توفير براميل من النفط، لكنه قد لا يستطيع بالسرعة نفسها توفير ما يكفي من الديزل والوقود المكرر.

مضيق هرمز.. المشكلة أكبر من عبور ناقلات النفط

يمثل مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الطاقية في العالم، لكن تأثير الاضطرابات فيه لا يقتصر على النفط الخام.

فمنطقة الخليج تعد أيضا مركزا مهما لإنتاج وتصدير المنتجات النفطية المكررة. ولذلك، فإن تعطل الملاحة أو تراجع نشاط المصافي لا يعني فقط انخفاض وصول النفط إلى الأسواق، بل يمكن أن يؤدي إلى نقص في شحنات الديزل ووقود الطائرات ومنتجات أخرى.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن اضطرابات الشرق الأوسط، إلى جانب الهجمات على المصافي الروسية، أدت إلى انخفاض صادرات الديزل من روسيا والشرق الأوسط وآسيا بنحو 1,3 مليون برميل يوميا على أساس سنوي في يوليوز، وهو ما يعادل نحو 20 في المائة من تجارة الديزل العالمية المنقولة بحرا.

وهنا تتضح خطورة الوضع: عندما تختفي كميات كبيرة من السوق العالمية، تبدأ الدول والمستوردون في البحث عن مصادر بديلة، وهو ما يزيد المنافسة على الإمدادات المتبقية.

لماذا أصبح الديزل الحلقة الأكثر حساسية؟

الديزل ليس مجرد وقود للسيارات والشاحنات.

إنه وقود الاقتصاد الحقيقي.

فالشاحنات تعتمد عليه لنقل الغذاء والسلع، والقطاع الزراعي يستخدمه في الآلات والمعدات، كما يدخل في النقل البحري والصناعة والبناء، ويستخدم في بعض الدول للتدفئة وإنتاج الكهرباء.

ولهذا السبب، فإن ارتفاع سعر الديزل لا يبقى داخل محطات الوقود.

بل ينتقل تدريجيا إلى:

  • تكلفة نقل السلع؛
  • أسعار المواد الغذائية؛
  • تكاليف الزراعة؛
  • أسعار البناء؛
  • تكلفة الخدمات اللوجستية؛
  • وفي النهاية، إلى المستهلك.

وهذا ما يجعل أزمة الديزل أكثر خطورة من مجرد ارتفاع عادي في أسعار النفط.

أرقام أمريكية تكشف حجم الضغط

الولايات المتحدة، باعتبارها إحدى أهم الدول المنتجة والمصدرة للمنتجات النفطية، أصبحت تلعب دورا أساسيا في تعويض جزء من النقص العالمي.

لكن هذا الدور له ثمن.

بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تظهر أن مخزونات المقطرات النفطية، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بلغت حوالي 107,1 ملايين برميل في 7 غشت، قبل أن تتواصل التقلبات في مستويات المخزون خلال الأسابيع التالية. وفي الوقت نفسه، ساهم الطلب الخارجي القوي في زيادة الضغط على الإمدادات الأمريكية.

وقد سجل هامش الربح النظري لإنتاج الديزل في الولايات المتحدة مستويات قياسية، إذ تجاوز ما يعرف في الأسواق بـ«crack spread» حاجز 100 دولار للبرميل في منتصف غشت، في إشارة واضحة إلى أن المشكلة أصبحت مرتبطة بقيمة الديزل وتوفره، وليس فقط بسعر النفط الخام.

ما هو «Crack Spread»؟

ببساطة، هو مؤشر تقريبي للفارق بين تكلفة شراء النفط الخام وقيمة المنتجات التي تنتجها المصافي منه.

كلما اتسع هذا الفارق، ارتفعت أرباح المصافي.

ولهذا نشهد حاليا مفارقة لافتة: قد يتراجع سعر النفط، بينما تحقق المصافي أرباحا ضخمة بسبب ارتفاع أسعار الوقود المكرر، خصوصا الديزل.

موسم صيانة المصافي قد يزيد الوضع تعقيدا

هناك عامل آخر قد يصبح مهما خلال الأسابيع المقبلة: الصيانة الموسمية للمصافي.

فإدارة معلومات الطاقة الأمريكية تتوقع أن تخفض المصافي الأمريكية معدلات التشغيل خلال شتنبر وأكتوبر لإجراء أعمال الصيانة، وهو ما يعني انخفاضا في إنتاج المنتجات النفطية خلال تلك الفترة، قبل عودة الإنتاج إلى الارتفاع لاحقا.

في الظروف العادية، تعتبر هذه الصيانة جزءا طبيعيا من دورة عمل القطاع.

لكن عندما تتزامن مع:

اضطرابات في مضيق هرمز، وتراجع الإنتاج في بعض المصافي الروسية، وانخفاض صادرات الديزل من مناطق رئيسية، وتراجع المخزونات في بعض الأسواق، فإن أي نقص إضافي في إنتاج المصافي يمكن أن يزيد حساسية السوق.

وهذا هو السيناريو الذي يجعل التحذيرات من أزمة محتملة تستحق الاهتمام.

هل «نفد المخزون الاستراتيجي الأمريكي» من الديزل؟

هنا من الضروري التمييز بين مفهومين.

الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي SPR هو أساسا مخزون من النفط الخام، وليس مخزونا ضخما من الديزل يمكن ضخه مباشرة في محطات الوقود. وتدير الولايات المتحدة أيضا احتياطيا منفصلا أصغر حجما في الشمال الشرقي يضم نحو مليون برميل من الديزل منخفض الكبريت المخصص أساسا لحالات اضطراب الإمدادات المرتبطة بالتدفئة.

بل إن وثائق الميزانية الفيدرالية لسنة 2026 تضمنت مقترحا لبيع هذا الاحتياطي الإقليمي وإغلاقه.

لذلك، من الأدق الحديث عن انخفاض المخزونات التجارية وضيق هوامش الأمان في سوق الديزل، بدلا من القول إن الولايات المتحدة تمتلك احتياطيا استراتيجيا ضخما من الديزل أو أن هذا الاحتياطي «نفد» بالكامل.

وهذه نقطة مهمة حتى لا يتحول التحذير الاقتصادي إلى معلومة غير دقيقة.

هل نحن فعلا أمام أزمة عالمية؟

المعطيات الحالية لا تسمح بالجزم بأن العالم يتجه حتما إلى «نفاد الديزل».

لكن المؤشرات تشير بوضوح إلى سوق شديدة الحساسية.

وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يشهد سوق النفط العالمي عجزا يبلغ نحو 1,8 مليون برميل يوميا خلال الربع الثالث من 2026، كما سجلت المخزونات النفطية العالمية انخفاضا كبيرا خلال يوليوز، بينما وصلت هوامش تكرير المنتجات الخفيفة والمتوسطة في حوض الأطلسي إلى مستويات قياسية.

كما أن الضغوط الحالية لا تأتي من مصدر واحد يمكن إصلاحه بسهولة.

فالعالم يواجه في الوقت نفسه:

اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، ومشكلات في تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، وتراجع نشاط بعض المصافي الروسية، وانخفاض صادرات الديزل من مناطق آسيوية وشرق أوسطية، وتراجع المخزونات، واقتراب موسم صيانة المصافي.

وهذا التزامن هو مصدر القلق الحقيقي.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للمغرب؟

المغرب، مثل معظم الدول المستوردة للطاقة، لا يعيش بمعزل عن الأسعار العالمية.

حتى في حالة استقرار إمدادات السوق المحلية، فإن ارتفاع سعر الديزل في الأسواق الدولية يمكن أن ينعكس على تكلفة الاستيراد، وبالتالي على أسعار المحروقات والنقل وسلسلة الأسعار في الاقتصاد.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن المغرب مقبل على أزمة في التزود بالديزل، لكن استمرار ارتفاع الأسعار العالمية سيزيد الضغط على الفاتورة الطاقية، خصوصا إذا تزامن ذلك مع ارتفاع تكاليف الشحن أو اضطراب طرق الملاحة.

والأهم بالنسبة للمستهلك هو أن انخفاض سعر النفط الخام لا يضمن تلقائيا انخفاض سعر الديزل.

فالسوق قد تكون أمام مرحلة يصبح فيها السؤال ليس: كم يبلغ سعر برميل النفط؟ بل: هل تستطيع المصافي إنتاج ونقل ما يكفي من الوقود الذي يحتاجه العالم؟

تحذيرات الدكتور أنس الحجي لا ينبغي التعامل معها باعتبارها توقعا حتميا بحدوث أزمة عالمية مؤكدة، لكنها تتقاطع مع مؤشرات قوية صادرة عن وكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية وتقارير الأسواق.

الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في نقص النفط الخام، بل في اختناق محتمل في سلسلة التكرير والتصدير والمخزونات.

وإذا استمرت اضطرابات الشرق الأوسط، وتأخر تعافي المصافي المتضررة، وتزامن ذلك مع صيانة الخريف وارتفاع الطلب على الديزل، فقد تجد الأسواق نفسها أمام مفارقة غير مسبوقة: النفط يتراجع، لكن الديزل يواصل الارتفاع.

وهنا قد تبدأ الأزمة الحقيقية، لأن الديزل ليس مجرد وقود، بل أحد المحركات الأساسية التي تتحرك بها التجارة والزراعة والنقل والاقتصاد العالمي.

المصادر والمراجع

التعاليق (0)

اترك تعليقاً