مشكل المنتخب المغربي أعمق من “Bloc bas”.. خلل التوازن يضع الركراكي أمام امتحان حقيقي

المنتخب المغربي ووليد الركراكي رياضة المنتخب المغربي ووليد الركراكي

يختزل كثيرون مشاكل المنتخب المغربي في صعوبة اختراق المنتخبات التي تعتمد على التكتل الدفاعي، أو ما يُعرف بـ Bloc bas. هذا الطرح، رغم شيوعه، يبدو قاصرًا ولا يلامس جوهر الإشكال الحقيقي. فالمتابع للمباريات بعين تحليلية يلاحظ أن الخلل لا يبدأ عند الخصم بقدر ما ينطلق من داخل منظومتنا نحن.

في اعتماد نظام 4-1-4-1، برزت اختلالات بنيوية واضحة، أهمها المساحات الكبيرة التي تُترك خلف لاعبي الوسط المتقدمين (Double 8). هذه المساحات لا تبقى نظرية على الورق، بل يتم استغلالها ميدانيًا بشكل متكرر، إما عبر لاعبين يتحركون بين الخطوط أو من خلال اندفاعات متأخرة من لاعبي الوسط الخصم (third man runs). في مثل هذه الوضعيات، يصبح لاعب الارتكاز، مهما بلغت جودته، عاجزًا عن تغطية كل هذا العمق بمفرده.

يُضاف إلى ذلك مشكل الضغط العالي، الذي يظهر في أغلب الأحيان غير منسق، غير مستمر، ويُمارس على فترات متقطعة. أحيانًا نضغط، ثم نتوقف فجأة، وأحيانًا أخرى يكون الضغط فرديًا، وهو أسوأ سيناريو ممكن، لأنه لا يربك الخصم بقدر ما يفتح المساحات خلف اللاعب الضاغط. النتيجة أن حتى المنتخبات المحدودة تجد الوقت والمساحة لتنظيم اللعب وبناء الهجمة بهدوء.

لكن الإشكالية الأخطر تتجلى في التحولات العكسية. عند فقدان الكرة، لا نمارس الضغط العكسي بالشكل المطلوب، ولا نتراجع بسرعة وبتمركز منظم. ردّة الفعل غالبًا ما تكون متأخرة، ما يسمح للخصم بتجاوز خطوط ضغطنا الأولى بسهولة والوصول إلى الثلث الأخير بأقل عدد من التمريرات، مستغلًا سوء تمركزنا الدفاعي.

تصريحات وليد الركراكي التي ربط فيها هذه المعاناة بطبيعة التوجه الهجومي للمنتخب قد تبدو مفهومة، لكنها غير كافية. فالهجوم لا يعني فقدان التوازن الدفاعي، ولا يعني أن يتحول كل فقدان للكرة إلى لحظة خطر حقيقي على مرمانا، خاصة أمام منتخبات محدودة الإمكانيات.

الأكثر إرباكًا هو وصف أسلوب المنتخب بالهجومي في وقت كانت فيه نسبة خلق الفرص ضعيفة، والاستحواذ في الثلث الأخير محدودًا، كما شاهدنا في الشوط الأول أمام تنزانيا. الفرق الهجومية الحقيقية، عالميًا، هي التي تفتك الكرة في مناطق خصمها، وتفرض إيقاعها، وتُشعر المتابع بأنها المسيطرة على مجريات اللقاء. هذا الإحساس بالتحكم والسيطرة لم يكن حاضرًا بالشكل المطلوب.

ثم نصل إلى قلب الإشكال: ثلاثي الوسط. نفتقد للثبات والتكامل، لأن لاعبي المركز 8 لا يملكون البروفايل المناسب لهذا الدور. بلال الخنوس وإسماعيل الصيباري، رغم موهبتهما، أقرب إلى لاعبي 10 منهما إلى لاعبي 8. لا هم لاعبو ربط حقيقيون، ولا لاعبو افتكاك، ولا حتى حضورهم الهجومي فعال بسبب الأدوار المركبة المفروضة عليهم. النتيجة وسط ملعب غير متوازن، يظهر خصوصًا في الحالة الدفاعية بشكل غير مقنع.

لهذا السبب، تبدو عودة سفيان أمرابط، في حال استعاد جاهزيته، مفصلية جدًا قبل مواجهة منتخب مثل الكاميرون، الذي يمتلك السرعة والجودة في التحولات. حينها فقط يمكن التفكير بهدوء في خيارين واضحين: إما الاستمرار بنفس النظام مع تصعيد نائل العيناوي للعب إلى جانب الصيباري بأدوار أكثر وضوحًا، أو إعادة تشكيل المثلث باللعب بـ Double 6، أمرابط والعيناوي، مع تحرير الأخير نسبيًا هجوميًا.

شخصيًا، أرى أن التحول إلى 4-2-3-1 يبدو خيارًا منطقيًا وواقعيًا. هذا النظام يؤمّن العمق، يقلص المساحات، يحسّن التحولات الدفاعية، ويُخفي بعض مشاكل قلب الدفاع، مع تحرير الأظهرة والصيباري لوضعه الطبيعي كلاعب 10، دون تحميله أعباء دفاعية مبالغ فيها.

مع ذلك، يبقى الاحتمال الأقرب هو عودة الركراكي إلى هويته المفضلة أمام الكاميرون، باللعب في Bloc médian أو حتى Bloc bas، تضييق المساحات، ترك الكرة للخصم، والبحث عن توازن أكبر، وهو ما سيضع المنتخب المغربي في سياق مختلف عن المباريات الأخيرة.

الخلاصة واضحة: مشكل المنتخب المغربي أكبر من مجرد صعوبة كسر التكتل الدفاعي. هو مشكل توازن، تمركز، وتنظيم دون كرة. ومن دون معالجة هذه الجوانب بجرأة ووضوح، سيبقى أي نظام تكتيكي مجرد أرقام على الورق. مواجهة الكاميرون قد تكون الفرصة الحقيقية للإجابة عن كل هذه الأسئلة.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً