قد يبدو الحديث عن كرة القدم، في سياق التحولات الاقتصادية الكبرى، نوعًا من المبالغة أو التبسيط المخل. لكن ما يجري اليوم في المغرب، في أفق تنظيم كأس العالم 2030، يفرض قراءة مختلفة: كرة القدم هنا ليست غاية في حد ذاتها، بل أداة ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
6 مليارات دولار للملاعب… لكن القصة لا تنتهي هنا
صحيح أن المغرب سيضخ ما يقارب 6 مليارات دولار في تجهيز وتحديث ملاعب كأس العالم، وهو رقم قد يبدو محدودًا مقارنة بتجارب دول أخرى. غير أن التركيز على هذا الرقم وحده يُغفل الصورة الكاملة.
الملاعب ليست سوى الواجهة، أما العمق الحقيقي للمشروع فيكمن في استثمارات موازية يُتوقع أن تتجاوز 100 مليار دولار، موجهة لتحديث شامل للبنية التحتية.
بنية تحتية بحجم التحول
الحديث هنا يشمل شبكات الطرق السيارة، السكك الحديدية والقطارات فائقة السرعة، المطارات، النقل الجوي، إضافة إلى قطاعات حيوية مثل الطاقة والماء. هذه الاستثمارات، التي تمثل ما يقارب 70% من الناتج الداخلي الخام، لا تُبنى من أجل شهر من المنافسات الكروية، بل من أجل عقود قادمة من النمو والاستقرار.
المغرب بعد 2030… وجهة لا مجرد بلد عبور
إذا أُحسن تدبير هذا الورش، فإن المغرب قد يتحول من بلد عبور سياحي وصناعي إلى وجهة قائمة بذاتها. بنية تحتية حديثة تعني قدرة أكبر على جذب الاستثمارات الصناعية، وتثبيت سلاسل إنتاج، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني في محيط إقليمي ودولي شديد التنافس.
الشغل والخدمات… الرهان الاجتماعي الصعب
الرهان الأكبر يظل اجتماعيًا. هذه الدينامية، إن لم تنعكس على فرص الشغل وتحسين جودة التعليم والصحة وتقليص الفوارق المجالية، ستبقى ناقصة. الرؤية المعلنة تضع خلق ملايين مناصب الشغل وتنمية المناطق الهامشية ضمن الأولويات، لكن النجاح هنا لن يُقاس بالنوايا، بل بقدرة السياسات العمومية على تحويل الاستثمار إلى عدالة اجتماعية ملموسة.
خمس سنوات فاصلة
الفترة الممتدة إلى حدود 2030 ليست مجرد موعد رياضي، بل مرحلة مصيرية في مسار المغرب التنموي. إما أن تُستثمر كرة القدم كرافعة ذكية للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي، أو تُختزل في حدث عابر ينتهي بانطفاء الأضواء.
كرة القدم وحدها لن تغيّر وجه المغرب، لكنها قد تكون الشرارة التي تُسرّع تحولًا كان مؤجلًا. النجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد الملاعب أو جمالها، بل بمدى قدرة هذه الاستثمارات على تحسين حياة المغربي العادي، وخلق اقتصاد أكثر قوة، ومجتمع أكثر توازنًا. السنوات الخمس المقبلة ستقول الكثير.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)